الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





زوار الموقع
يوجد الآن 6 ضيوف يتصفحون الموقع

gsi-hosted.gif

التراث الإباضي بجزيرة جربة طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ فوزي بن يونس بن حديد   
04/05/2011
jaabiri1.jpg
لقاء مع فضيلة الدكتور الشيخ فرحات الجعبيري
أجرى الحوار/ فوزي بن يونس بن حديد(*)
جزيرة جربة - أو جزيرة الأحلام كما يحب أن يسميها البعض - تقع في الجنوب الشرقي من الجمهورية التونسية، لها تاريخ قويم ضارب في القدم، وانتعش وازدهر مع دخول الإسلام إليها، وخاصة عند قيام نظام العزابة في بداية القرن الخامس الهجري، وكان للعلماء صولات وجولات في الجزيرة، استطاعوا بفضل الله وقوة إيمانهم أن يدحروا الصليبيين المحتلين.
جربة اسم جميل لتلك الجزيرة التي تنعم ببحر جميل من كافة جهاتها، وكأنه يحرسها، بجناتها الوارفة من نخيل وزيتون، بخلجانها الأنيقة، وبهدوئها الساحر، وبمساجدها المنتشرة في كل نقطة من نقاطها، وبأناسها الطيبين الكرماء، وبتاريخها وحضارتها، استطاعت أن تلفت الأنظار، وأن يفتتن بها الزائر من أي بلاد، وكأنها وجهة مفضلة إذا أراد زيارة تونس، في هذا الحوار الهام التقينا رمز الإباضية في الجزيرة وأحد أعلامها الأجلاء، الذي جاء زائرا لسلطنة عمان الحبيبة: فضيلة الشيخ الدكتور فرحات بن علي الجعبيري الذي استقبلنا بابتسامة الأخوة، وتواضع العلماء، وهدوء ورصانة المفكرين والأدباء، فكان لنا معه هذا اللقاء وهذا الحديث:
* لقد نشأ في بداية القرن الخامس الهجري نظام يسمى بنظام العزابة، وكان له دور كبير في الحفاظ على الاستقرار ونمو الحركة العلمية والدفاع عن حياض الجزيرة، إلا أنه لم يستطع الصمود والبقاء، فما سر انهيار هذا النظام في جزيرة جربة مع بقائه في مدن أخرى كوادي ميزاب؟
- بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
نظام العزابة انطلق مع الشيخ أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الفرسطائي سنة 409 لهجرة الرسول عليه السلام، وهو نظام داخلي للمجموعة الإباضية، أسس في مسلك الكتمان؛ للحفاظ على الكيان الذاتي عندما تكون الدولة غير ملتزمة بالتعاليم الإسلامية. وفعلا استطاع هذا النظام أن يحفظ كيان هذه المجموعة الإباضية في كامل شمال إفريقيا، يعني في جبل نفوسة ووادي ميزاب وجزيرة جربة، وطبعا تأسس هذا النظام في منطقة الجريد (بجنوب تونس حاليا) ثم أقيم بجربة، وأقيم في نفوسة، وبعد ذلك أسس في وادي ميزاب، والشيخ أبو عبد الله هو الذي أسسه وانطلق فيه النظام من بدايته.
الحقيقة هناك ما نسميه عندنا بالتداول الحضاري، سبحان الله، أمر من إرادة الله إذا قوي المذهب في نفوسة يضعف في جربة وميزاب، وإذا قوي في جربة يضعف في نفوسة وميزاب، وهكذا الدور الحضاري في عصرنا هذا لوادي ميزاب، ودور هذا النظام فعال.
فأهم سبب من أسباب انهيار هذا النظام ضعف داخلي لمشايخ جزيرة جربة، وضغط من قبل السلطة المحلية لتفتيت هذا النظام؛ حتى يكون للسلطة المحلية نفوذ هنالك في الجزيرة.
* لقد كانت المساجد في جزيرة جربة تمثل الجزء الأكبر من التراث الإباضي الجربي فما القيمة الحضارية للمسجد آنذاك؟ وهل بقيت تلعب الدور نفسه أم تلاشى دورها في ظل المتغيرات الحديثة؟
- استمر المسجد يلعب دورا كبيرا إلى بداية الاستقلال وذلك لما توفره الأوقاف من نفقات على المشرفين على المساجد، وكانت فئة كبيرة من الجربيين ومن النفوسيين متعاونين على إقامة هذا النظام بشكل من الأشكال للإشراف على جميع أحوال الجزيرة، وإن كان دون ما كان عليه من قبل، هذا الكيان مكَّن فعلا المساجد من أن تستمر في القيام بدورها، طبعا انتهت الأوقاف ورجع الليبيون إلى وطنهم عند استقلالهم وبقي شيء من الضعف في الجزيرة.
والحقيقة أن الأمر بقي متوارثا لا جماعة عن جماعة وإنما في كل مرحلة يبرز بعض الشيوخ، ويكون واحد منهم أفقه من المجموعة تلجأ إليه الجماعة للفتوى والمشورة. وآخر مَن عَرفنا من الجيل السابق على هذا النمط الشيخ سالم بن يعقوب، وقبله شيخه عمر بن مرزوق رحمهما الله، حيث كانا يجلسان في حومة السوق لقبول فتاوى الناس وأسئلتهم، وينصحونهم ويفكون النزاع الذي قد يحدث بينهم، فكان كل من الشيخين يقوم بهذا الدور. بعدهما تحول الأمر إلى حركية مسجدية، يعني: عمل واضح في مؤسسة مسجدية، ثم جاءت الأحوال المعروفة، والمساجدُ كلُّها غُلِب على أمرها!. والآن بحول الله تعود إلى نشاطها.
* جامع أبي مسور وغيره من المساجد التي لا تزال باقية وبعضها لا تقام فيها الصلاة هل أصبحت مزارا للتبرك بأولياء الله الصالحين، أم أن بعضها ما يزال يؤدي دوره الحضاري؟
- جامع أبي مسور وعدد كبير من الجوامع والمساجد لا تزال عامرة إلى اليوم بالمصلين على أحسن وجه، أما المساجد التي أصابها الفراغ فهي الرباطات التي تحيط بالجزيرة، مثل جامع سالم، وجامع زايد، ودخل عليه اسم «سيدي» متأثرا بالتيار المالكي «سيدي زيتوني» وما إلى ذلك، وإلا فقد كانت من قبل تسمى: «جامع زايد»، «جامع أبي مسور»، كلها تسمى بأصحابها بدون كلمة «سيدي»، أما هذه التي على الشواطئ لما انتهى دورها الحضاري الدفاعي والرباط وتحفيظ القرآن تحولت في البداية إلى مزارات صيفية يذهب إليها الناس، ويعيشون هنالك، ويرتادون البحر، وشيئا فشيئا دخلتها فكرة الأولياء، خاصة المساجد التي فيها قبور.
والحقيقة حاربنا هذا الأمر في السبعينيات محاربة شرسة وقوية، بعدها قل هذا الأمر وصار سجالا: إذا انتشرت الخطابة والدروس يقل الاعتقاد في الأولياء، وإذا ضعف أمر الدرس يرجع الأمر إلى نصابه، سواء بالنسبة للمساجد التي هي على الشواطئ أم بعض المساجد التي فيها قبور لبعض العلماء المشهورين، والمهم أن أغلب المساجد الآن عامرة وتشتغل، يكثر عدد المصلين أو يقل حسب نشاط القرية ونشاط المجموعة.
* على ذكر المكتبات نعلم أن بالجزيرة مكتبتين هما: «المكتبة البارونية» و«مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب»، هل هناك مكتبات أو دور للعلم كانت ولا تزال تمثل بريقا للمذهب بالجزيرة؟
- الحقيقة الأمر الآن يقوم على مدى بحثنا عن المكتبات الخاصة، وما زلنا نتطلع بأن نجد لدى العديد من الأسر التي كانت مشهورة مكتبات، حاولنا مع أسرة أبي ستة (الشيخ الْمُحَشِّي)، والمجموعة التي كانت في «ورسيغن» و«سدويكش»، ومن تراث الشيخ الْمُحَشِّي يمكن أن نتصور أنها مكتبة ثرية لكن كيف تلاشت؟ الناس في ظرف كانوا يخفون هذه المخطوطات، لكن بقينا من حين لآخر نعثر على نصوص في المدة الأخيرة فالشيخ ساسي بن يحياتن عثر على كنز لست أدري يضم مخطوطات منقطعة النظير وغير موجودة في أي بقعة من العالم، وهذا التراث موجود في منطقتنا الوهبية، وموجود في المنطقة الأخرى المنطقة المستاوية، فبالإضافة إلى المكتبة الأساسية طبعا التي هي المكتبة البارونية والتي تحولت إلى مكتبة إلكترونية معاصرة الآن، ويتعامل معها الباحثون في أطراف العالم عن طريق الإيميل وعن طريق الموقع. أما المكتبة اليعقوبية فأنا أعرف أنها كانت مزدهرة ولكن أولاده أخفوا أو حافظوا لأنفسهم على هذه المكتبة يصلها بعض الناس ولا يصلها البعض الآخر، وكلٌّ وحظُّه. وأثناء البحوث والدراسات عرفنا الكثير من المكتبات منها: المكتبة البعطورية عندنا في جربة، ولكن للأسف اشتعلت فيها النيران واحترقت. وكذلك عرفنا المكتبة الجادوية في مكان يسمى حومة الأرباح. والذي يبحث الآن قد يجد نصوصا في عديد من البيوتات، وإن شاء الله هناك فكرة حملة كاملة لإحصاء التراث ستقوم بها جمعية جربة للتنشيط الثقافي، وقد بدأت في هذا المشروع، وقد توقفت في هذه الأيام، ولكن سيعودون إليه إن شاء الله.
* لماذا يقع التحكم في المكتبتين من قِبل أشخاص ليس لهم دور في العلم؟ لماذا لا تفتح لطلاب العلم؟ ولماذا لا تكون المخطوطات الثمينة في أيدي الباحثين والعلماء ليستفيد الجميع من هذه الكنوز؟
- المكتبة اليعقوبية مكتبة خاصة لا تستطيع أن تفرض على أهلها أن يقوموا بهذا الدور، وأحفاد الشيخ رحمه الله يفتحون هذه المكتبة لمن كانوا يتفاعلون معه، فليس من السهولة أن تفتح، وفعلا كنا في زيارة مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي ووصلنا إلى حفيد الشيخ سالم بن يعقوب، ووصلنا إلى ابنه آنذاك - كان لا يزال حيا - ومنعنا من الوصول إليها، فلعل الآن بالحركية الجديدة نسأل الله تعالى أن يهديهم حتى يضعوا هذه المكتبة في متناول الباحثين، ونحن مستعدون لتنظيمها، وتوفير جميع المرافق العلمية بالنسبة إليها، وأنتم معشر الشباب حاولوا الآن بطريقتكم عندما تأتون إلى جربة بأن تتصلوا بهؤلاء الناس لعلكم تحظون بما لا نحظى به نحن.
* فيم يتمثل التراث الإباضي في جزيرة جربة عدا المساجد والمكتبات حسب رأيكم؟
- جربة كلها تراث إباضي، مع أن هناك طبعا تراثا قديما لما قبل الإسلام، فالمنزل تراث، السكن تراث، الآبار تراث؛ لأن جربة كانت قائمة في عمرانها وفي اقتصادها وفي حياتها الاجتماعية على المؤسسة الأساسية: «مؤسسة العزابة» التي كانت تتدخل في كل شيء، فلا يبنى أي شيء إلا بإذن العزابة، ولا تحفر آبار إلا بإذن العزابة، فكل ما هو في الجزيرة إنما له صبغة حضارية خاصة لا توجد في أي مكان في العالم؛ لأن كل نقطة إنما هي نقطة استراتيجية دفاعية لإيواء أهل الجزيرة ولحفظهم، خاصة من الهجمات الشرسة التي كانت تهجم عليهم من المجموعة الصليبية المتطرفة، وهذا جعلهم يُنشئون كيانا حضاريا متكاملا، صار الآن فعلا من التراث الذي يحتاج لأن يُدرس من جميع وجوهه، وهو مكمل للجامع؛ لأن الجامع بدون هذا الذي حواليه صار لا قيمة له. 
* لماذا لا تشكل لجان متخصصة تعمل من أجل الحفاظ على هذا التراث مهما كان شكله خوفا من الاندثار والنسيان، علما بأن شباب اليوم قلة من يعلم تاريخه وهويته الدينية؟
- الحقيقة نحن نثني ثناء كبيرا على جمعية صيانة الجزيرة، التي قامت بدور فعال طيلة سنوات منذ أن تأسست سنة 1975م، وحرصت كل الحرص على أن تحافظ على كل هذا الزاد التراثي، والآن ومع الوضع الحالي فعلا فكرة تكوين لجان وارتباط بجمعيات أخرى تعاون هذه الجمعية، الجمعية الأم والحقيقة فإن وزير الثقافة الجديد في حكومة تصريف الأعمال حريص كل الحرص فعلا على إبقاء ما بقي، وعلى إحياء ما يمكن أن يُحيى. 
* بعد الأحداث التي جرت في تونس مؤخرا، هل لديكم نية لاستعادة المجد الإباضي، وذلك بإحياء الموروث الإباضي وإعادة تأسيس نظام العزابة، ولو بمفهوم جديد وحديث؛ لأن الحياة في أساسها تتطور؟
- الحقيقة العولمة والمواطنة تقتضي منا أن نتصرف بمسلك يناسب العصر، فنحن جزء من منظومة كاملة، وحسب تحرك هذه المنظومة نضع أقدامنا وندلي بدلونا، ونعرِّف بأحوالنا، ونحن جزء لا يتجزأ من هذا الوطن الغالي: تونس الحرة، وتونس الكرامة، وهذه الجذور مدونة، والجزيرة يعشقها جميع الناس من داخل الجزيرة ومن الوطن كاملا ومن العالم؛ فنحن وسط هذا الخضم نحاول بقدر الإمكان أن نعرِّف تعريفا علميا بكل معطياتنا، ومن هذا التعريف نصل إن شاء الله إلى وضع كثير من تراثنا داخل التراث العالمي الذي يتماشى مع الحركة السياحية، وتحويلها والاستفادة منها. فإضافة إلى السياحة العادية هناك سياحة ثقافية، ووضع مسالك، ووضع أناس عارفين بأحوال الجزيرة ليعرِّفوا الوافدين عليها من المسلمين ومن العرب ومن غير العرب ومن الأجانب، تعريفا حقيقيا، ليس تعريفا فولكلوريا كما هي الحال الآن.
* هل هناك نية صادقة لإقامة نظام العزابة ولو بمفهوم جديد؟
- النية صادقة وجمعياتنا كلها هادفة. أما نظام العزابة نفسه أن يحيى بالمسلك القديم فلا، ولكن لجان الحي التي أسست الآن هي جزء من ذاك النظام، فلئن كانت لجان الحي تعتني بالحراسة فقط فيمكن أن تكون معها داخل المجتمع المدني مجموعات ترعى هذه الأحوال، ولكن إحياء الماضي برمته وبتسميته أمر يحتاج إلى انتباه، ولكن الاستفادة من المعطيات والتنظيمات وعمل الجمعيات المعاصر يبدو لي أنه أسلم من أن نعيد نسخة طبقا الأصل عايشت الأمر في الأحوال السابقة يصعب مع العولمة؛ لأن المجتمعات كانت مغلقة في القديم، بينما الآن شبابنا متفتح، يصعب أن تعقد له حلقات دقيقة، وإنما التفتح على المحيط حولنا، والتفتح على العالم، والجزر كلها متفتحة، وجربة أكثر الجهات تفتحا، فمراعاة أحوال العصر أمر ضروري، مع الاستفادة من تجربة الماضي.
* باعتباركم تمثلون رمز الإباضية في الجزيرة، ما هو دوركم بالتحديد، وخاصة الآن بعد الأحداث التي حدثت بتونس؟
- الحقيقة أنا منذ العهد السابق أرادوا أن يجعلوا مني ممثل الإباضية فلم أقبل ذلك، وإنما قلت: أنا مرجع للإباضية، وأحمد الله تعالى أن جعلني ممن يعرِّفون بالإباضية على المستوى الإباضي، وعلى المستوى الجامعي، وعلى المستوى العالمي، فبحكم ما نعرفه عن هذه المجموعة عبر تطورها التاريخي سنتعاون مع أصدقائنا ومع من تتلمذوا علينا، ومع العمل الوطني الإسلامي العام في تياراته المختلفة؛ حتى لا نكون منعزلين، وإنما نكون وسط المنظومة الوطنية، لنتعايش مع إخوتنا فيما يُتفق عليه من أعمال تتعايش مع التيارات الموجودة معنا؛ وحتى لا نحوِّل ذلك إلى صراع، وإنما نجعله تآلفا ومواطنة وتعايشا، وكلٌّ يتحرك في ميدانه، ولكن دون أن يتعارض مع الآخرين.
* هل شكلتم لجانا متعددة تعمل ضمن مجلس موحد، وتختص كل لجنة بمجال معين من تنشيط الحركة الفكرية والثقافية بالجزيرة؟
- هذا سابق لأوانه الآن، لقد صار لنا عشرون يوما الآن من العمل بعد الأحداث الأخيرة في تونس؛ لأنه قبل استقالة الوزارة الأخيرة برئاسة محمد الغنوشي كانت الأمور مضطربة اضطرابا كبيرا، ولكن الأمر استقر الآن والناس جميعا يتهيؤون للانتخابات وللمجلس التأسيسي، ونحن الآن بمجهودات جماعية، وببعض المحاولات الفردية، بدأت تتكون مجموعة من الجمعيات، لكن مسعانا نحن بأن نربط بينها جميعا، وأن نجعل كل واحدة تتخصص في ميدان، فمثلا تكونت جمعية خيرية طيبة وأمرها حسن وشجعناهم على ذلك، وهم أصدقاؤنا، وكوَّنتُ أنا جمعية سميتها: «جربة التواصل»؛ لتربط بين الجميع، وكوَّن الشيخ عاشور جمعية في «آجيم» اتجاهها إصلاحي توعوي، ونحن نشجع على تكوين هذه الجمعيات، وبعد ذلك لما تتكونُ وتبدأُ العمل نحاول أن ندفع كل واحدة بأن تتحرك بقوة في التيار وفي المصلحة، وتترك المصالح الأخرى للآخرين، وإذا تتكرر الأمر فلا بأس؛ لأن آجيم مثلا بعيدة عن مزراية، والمسافات بيننا طويلة، وتكرر أمر إنشاء جمعية في آجيم وأخرى في مزراية وأخرى في مكان آخر، فلا غرر في ذلك، ونعرف أن المجتمع المدني فيه المئات بل الآلاف من الجمعيات، كلها تتضافر، خاصة الآن نريد أن نركز على العمل الاجتماعي، والعمل الأخلاقي، والعمل الاقتصادي، وكل ما تحتاج إليه الأمة إن شاء الله.
* في الفترة الأخيرة يبدو أنكم واجهتم حملة شرسة من التيار السلفي، ماذا أعددتم أنتم كإباضية لمواجهته والمحافظة على تراثكم من الضياع؟
- الحقيقة نحن محافظون على تراثنا ولا حرج علينا من أي تيار يأتينا، بقي نحن ندعو إلى التعامل الإسلامي والتعاون الحقيقي مهما كان التيار الذي يتعايش معنا، والمجموعة الإباضية عرفت كثيرا من الأحوال عبر العصور، مبدؤها واضح، لا تعتمد على إقصاء الآخرين، من عهد الدولة الرستمية اختار أئمتنا تعايش جميع الفرق والمذاهب في تاهرت، على غير مسالك التيارات الأخرى، يهمنا أن نحافظ على هذا الأمر. وهؤلاء السلفيون في النهاية هم أبناؤنا وإخوتنا وتربوا معنا، سلكوا هذا المسلك ونرجو منهم جميعا أن يسلكوا المسلك الوسط؛ حتى نتعايش بطريقة حضارية وبطريقة قانونية، والقانون في يوم من الأيام هو الفيصل بين الجميع، فالجامع الذي أصله إباضي يبقى إباضيا، والذي أُسس على مذهب سلفي فله أن يسلك مسالكه، على أن تبقى مساجدنا مساجد إباضية، وليس معنى هذا احتكارا، وإنما هو عرف تعارف عليه الناس في العالم الإسلامي كله؛ حتى لا يتحول الأمر إلى تحدٍّ وتجاوز، أو إلى أن يقصي هذا الآخر.
* ماذا لديكم من برامج للشباب الإباضي لدعم الروح الإباضية في الجزيرة، وترسيخ مفهوم المواطنة الإباضية؟ 
- كما ذكرت لك نحن دائما الآن في استراتيجية وطنية عالمية، فسلفنا رحمة الله عليهم كانوا يشتغلون داخل الجزيرة بأبناء الجزيرة وحتى خارج الجزيرة يعزلونهم عن بقية الناس، فدار الجماعة في باريس للجربيين يدخلها الجربيون، ويعيش فيها الجربيون، والمسجد التابع للجربيين يعيش فيه الجربيون، وأما الآن فالأمر تحول، فجامع الإباضية في تونس مفتوح لجميع الناس، وأولادنا الإباضية يذهبون إلى جميع المساجد، وهم يتعرفون علينا ونحن نتعرف عليهم، نتعايش بمودة وإخاء بيننا وبين إخوتنا المالكية، وسط التيارات المعاصرة، وظيفتنا الأساسية أن نعرِّف الآخرين حقيقة أمرنا؛ حتى نرفع عنهم غشاوة عدم معرفتنا، والاعتماد على نصوص غيرنا للتعريف بنا، ونحن معاشر الإباضية ما أضرَّنا في التاريخ إلا بعض الغفلة من قبلنا عن التعريف، بذاتنا وأيضا بعض الكتابات التي جعلتنا ضمن الخوارج الدمويين المتعصبين إلى آخره... فهذه الشهرة التي التصقت بنا حاولنا بقدر الإمكان في جميع مراحل حياتنا أن نسعى عن طريق الجامعة وعن طريق الكتابات وعن طريق المحاضرات وعن طريق اللقاءات مع التيارات الأخرى المتعايشة في الوطن، وعن طريق الندوات الثقافية العامة والخاصة، بأن نجعل الناس الذين حوالينا من إخوتنا المالكية ومن إخوتنا السلفية ومن جميع التيارات أن يعرفوا أن الإباضية مذهب معتدل، يعتمد سنَّة الرسول عليه السلام، وقبل ذلك القرآن الكريم، وله اجتهادات، وله بعض التميُّزات، والدارس الواعي الموضوعي الذي لا ينطلق من خلفية ما محارِبة أو معادية يصل إلى معرفة أحوالنا معرفة جيدة، والحمد لله هذا التيار الآن ثقافيا وعلميا يتبناه عديد من طلبتنا، وعديد من الأساتذة زملائنا، وأيضا في الأوساط السياسية العامة صارت كلمة الإباضية ليست نشازا، وإنما صارت يشار إليها على أن هؤلاء الناس من الطيبة بمكان، ومن الصلاح بمكان، وممن لا يظهرون السوء إليهم.
* هل يمكن أن يكون للإباضية مستقبل زاهر في ظل التغيرات الحديثة، أم أن المستقبل ينذر بشؤم كبير حسب رأيكم؟
- شيخنا الشيخ سالم بن يعقوب رحمة الله عليه كان يقول هذا الكلام، وفعلا بالممارسة وبالمعايشة وجدنا أن الرجل ينطلق من نصوص واعية ومن كتابات دقيقة يقول: «كلما تقدم العلم، وتحول الناس إلى الدراسات الموضوعية، قويت قدمنا في الأوساط العالمية»، الذي كان يدمر الإباضية هو التعصب المذهبي من قبلهم ومن قبل غيرهم، ومن قبل غيرهم أكثر؛ لأن الأقلية أمام الأكثرية لا تتعصب، بل نرى أن كتبنا من القرن الخامس أو السادس بدأت تقارن وتأتي بأقوال جميع العلماء، بينما إخوتنا من المذاهب الأخرى قل من تجد عنده كتابا من كتبنا، والآن عندما طبعت الكتب الحمد لله في سلطنة عمان، ووصلت إلى آفاق العالم، صار الناس يحترموننا ويفهمون أننا لا ندعي.
أذكر أن أستاذا جامعيا قلنا له: إن هناك كتابا اسمه: «قاموس الشريعة» به أكثر من تسعين مجلدا، وراح يقدم ذلك لتلامذته، وتصوروا أن الأجزاء هي مجرد كراريس، ويساوي كلها مجلدين، والآن أوضح التاريخ أن «قاموس الشريعة» مكتبة، وأن «بيان الشرع» مكتبة، وأن «شرح النيل» مكتبة، وأن ثراء المكتبة الإباضية بمجهودات أصحابها نراهن أنها أكثر ثراء من كثير من مكتبات المذاهب الأخرى التي كانت لها دول تحميها؛ لأن سلفنا كانوا ينكبون على أحوالهم ويقارنونها بغيرها، ويعلِّمون أبناءهم كيف يتعايشون في المحيط العالمي عندما يسافرون إلى الإسكندرية والقاهرة وما إلى ذلك... وكوَّنوا لأنفسهم مركزا في تونس، ومركزا في القاهرة، ويتعايشون ويتكاملون، حيثما يحلُّون الآن يضعون لأنفسهم دارا للجماعة ومكتبة وكيانا، وهذا بدأ يتضح أيضا في مسقط بسلطنة عمان، وكل هذا نقول إنما هو تعاون لا تعصب فيه، ولا انغلاقية فيه، وإنما انفتاح واضح، احترمني أحترمك ونتعايش فيما بيننا، صحيح نختلف في بعض المواطن، ونعذر بعضنا في ذلك؛ لأن الذي نتفق فيه أكثر بكثير مما نختلف فيه، وهناك مقولة شهيرة ومعروفة عند العلماء قديما: «نعمل فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه»، وهذا ما أرسينا قواعده عندنا في الجامعة التونسية؛ فالآن الطلبة يختارون مواضيع إباضية بأنفسهم، والزملاء بعد أن تقاعدتُ يلحُّون عليَّ بأن نكوِّن مركزا إباضيا، ونعطيهم مواضيع ومصادر ليواصلوا الإشراف على إخوتنا المالكية على مواضيع من هذا القبيل؛ لأنهم فهموا أن الحراك العلمي في تونس إنما هو حراك إباضيٌّ مالكيٌّ، ومن قبلُ كان معهم شيعيٌّ ودخل الحنفيُّ أيضا من المركز الأول، وكانت حركة المعتزلة، وكانت كل الحركات العلمية تتعايش في مدينة القيروان، وبقي ظلُّ ذلك إلى يوم الناس هذا في كتاباتنا وفي دراساتنا.
__________________
(*) هذا الحوار كان مع فضيلة الشيخ الدكتور فرحات بن علي الجعبيري عندما كان زائرا سلطنة عمان للمشاركة في ندوة العلوم الفقهية التي أقيمت بالسلطنة في الفترة من 9- 12أبريل 2011 فاغتنمت وجوده بيننا، لأجري معه هذا الحوار، بتاريخ يوم السبت 16/4/2011 بالسلطنة، وكان حول موضوع التراث الإباضي بجزيرة جربة لا سيما بعد أن شهدت تونس تحولا مباركا في سياستها، هذا الحديث أو الحوار سينشر بجريدة عمان خلال هذا الأسبوع بإذن الله. أسأل الله تعالى أن يتقبله مني خالصا مخلصا لوجهه الكريم.

 
< السابق   التالى >