الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





زوار الموقع

gsi-hosted.gif

التوثيق واجب شرعي ومهمة اجتماعية واقتصادية طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ د. صالح بن عبد الله أبوبكر   
01/08/2010
risala8.jpg
د. صالح بن عبد الله أبوبكر
نائب بالمجلس الشعبي الوطني
لا يخفى على أي عاقل حريص ما للتوثيق من أهمية بالغة في حياة الناس عامة، فقد خلق الله تبارك وتعالى الإنسان وجعله خليفة له في أرضه وكلفه بعمارتها، فأصبح الإنسان مدنيا بطبعه مجبرا على العيش مع غيره من بني جنسه، يتبادل معهم المنافع ليشبع حاجياته الدائمة والمستمرة، عن طريق المعاملات المتنوعة والمختلفة، والإنسان بطبعه وغريزته مجبول على حب التملك والسعي الحثيث لجلب المال، وهذا الحرص يجعله في صدام دائم مع غرائز غيره، في حب التملك، مما يثير النزاعات والخلافات الحادة، التي قد تنتهي بارتكاب الجرائم، وزهق الأرواح، وقد حرصت البشرية من عصور لإيجاد وسائل الإثبات وحماية الحقوق فكان من أهمها وأبلغها التوثيق بالكتابة.
فالتوثيق زيادة على أنه فريضة شرعية أمر الله بها، له أهمية كبرى في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع، وخاصة في المعاملات المالية، التي تتم بين الأفراد والجماعات، وحتى الدول، والهيئات والشركات، فإذا كان التوثيق لغة مشتق من وَثَّق يوثِّق توثيقا، أي قيَّد يقيِّد تقييدا، فيقال وثَّق الشيء وثاقه، أي شدَّه بإحكام(1)، ومنه قوله تعالى، {وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ}(2) ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فالمقصود العام هو إحكام التصرفات بتقييد شروطها بوسيلة من وسائل التوثيق.
ومن أبرز وسائل التوثيق المعاصرة هي الكتابة، وأقل منها الشهادة، أو البينة، أو الرهن، ثم الكفالة، وحديثنا سيكون على التوثيق بالكتابة. و الكتابة هي في نظر القانون أقوى طرق الإثبات(3)، ويقسم المشرع الكتابة كدليل للإثبات إلى قسمين هما:
أولا: الكتابة العرفية:
وهي كل الأوراق العرفية، التي يقوم بتحريرها الأفراد فيما بينهم، سواء أكانت تلك الأوراق مُعدَّةً لإثبات التصرفات القانونية من بيع وإيجار، أم تلك الأوراق العرفية، التي كتبت أصلا ولم تكن معدة للإثبات، كالدفاتر التجارية والرسائل، والبرقيات، والمذكرات الخاصة. سواء أكُتبت بخط اليد أم مطبوعة، أكتبها الشخص المعني نفسه، أم كتبها كاتب عمومي، فكلها تبقى أوراقا عرفية، لا ترقى إلى الكتابة الرسمية، التي يشترطها القانون.
ثانيا:الكتابة الرسمية:
وهي الأوراق التي يثبت فيها موظف عام، أو شخص مكلف بخدمة عامة، ومؤهل قانونا لإفراغ تلك الأوضاع القانونية في قالب وشكل معين يحدده القانون، في حدود سلطته واختصاصاته التي يحددها المشرع(4).
والتوثيق بالكتابة عرفها الإنسان منذ فجر التاريخ، فقد عرف المصريون القدامى إجراءات نقل الملكية من شخص إلى آخر، سواء أكانت عقارا أم منقولا، ووضعوا لها مصلحة خاصة تقوم بإحصاء الأراضي وتسجيل التصرفات التي ترد إليها، غير أنهم لم يفرقوا بين المنقول والعقار، وجعلوا العلانية هي حجة التصرف في جميع المعاملات، كي يطلع الناس على تنقل الأموال، ولكي تتمكن السلطة من فرض ضرائبها على الأراضي، والذي أرغمهم على مسح الأراضي وتحديد خرائطها، هو فيضان النيل، وما كان يترتب عليه من طمس المعالم والحدود بين الملكيات.
وأما الرومان، فزيادة على العلانية في التصرفات، اشترطوا الشكلية في كل نقل للملكية سواء أكانت منقولا أم عقارا، ويتم ذلك بشهادة الشهود في أماكن عمومية بحضور الطرفين المتعاملين البائع والمشتري في طقوس دينية.
وقد عرف العرب قبل الإسلام توثيق أهم العهود ومن أبرزها حلف الفضول الذي حضره الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، ومعاهدة مقاطعة بني هاشم التي علقت في الكعبة إلى أن أكلتها الأرضة، ومزقها حمزة بن عبد المطلب.
ثم جاء الإسلام، فأقر التوثيق بالكتابة، وأمر به وبين أحكامه في أطول آية في القرآن الكريم، هي آية الدين فقال تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ اِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَابَ كَاتِبٌ اَن يَّكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا اَوْ ضَعِيفًا اَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُّمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُم فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ اَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَى ولاَ يَابَ الشُّهَدَآءُ اِذَا مَا دُعُواْ ولاَ تَسْأَمُواْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا اَوْ كَبِيرًا اِلىَ أَجَلِهِ ذَالِكُمُ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجارَةٌ حَاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُواْ إِذا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنَ اَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُوَدِّ الذِي اِوتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَّكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}(5). وهي آية عظيمة في الأحكام، مبينة جملا من الحلال والحرام، وهي أصل في مسائل البيوع، وحقيقة الدَّيْن هي كل معاملة كان أحد العِوضيْن فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة، ويقاس على الدَّيْن جميع العقود المالية، لأنها لا تقل أهمية عن الدين بل إن بعضها قد يفوق الدَّيْن أهمية كشراء العقارات وبيعها، والرهونات والتعهد بعمل وغيرها(6)، ولهذا فالأحكام الواردة في آية الدَّيْن لا تخص المداينة فقط، بل تعم جميع العقود المالية.
وقد استعمل الرسول صلى الله عليه وسلم التوثيق في معاملاته، من بيوع ومعاهدات كصلح الحديبية، ومعاهداته مع يهود المدينة، وواصل الخلفاء الراشدون توثيق العقود وخاصة الخليفة عمر بن الخطاب الذي نظم الدواوين، فتواصلت الحضارة الإسلامية تشجع التوثيق في العقود والمعاملات، فقد بادرت الدولة العثمانية إلى عملية تحديد الأراضي وتقسيمها إلى أقسام ووحدات، وضعت على أساسها سجلات عقارية كانت تسمى «الدفتر الخاقاني» أي السّجل العقّاري، وصدر أول قانون ينظم شهر التصرفات في العقارات سنة 1274هـ كما أنشئت وزارة خاصة بذلك سميت آنذاك «وزارة الدفتر الخاقاني».
أما الفرنسيون فقد طوروا الإشهاد الشفوي العلني، إلى إعلان كتابي، أمام كاتب المحكمة، وبهذا تطور شهر المعاملات، إلى أن استحدث نظام الشهر العقاري في فرنسا، ومنها انتقل إلى باقي مستعمراتها.
واستمر تنظيم العقار في الجزائر على العقود الشرعية، حتى دخول الاستعمار الفرنسي وتم الاستيلاء على الأراضي واغتصابها، عنوة من غير قانون، ولا نظام إلى أن صدر قانون 1834م والمتضمن حقوق التسجيل وتنظيم مهنة الموثق والإشهار العقاري. ومنها قسمت الأراضي إلى أراضي ملك، وأراضي العرش، وأراضي مفرنسة، إلى صدور قانون 1959 م بعنوان إصلاح نظام الشهر العقاري في الجزائر(7).
وبعد الاستقلال استمرت نفس القوانين ما عدا ما يتعارض منها مع السيادة الوطنية(8)، ثم صدرت عدة قوانين ابتداء من 01 مارس 1961م منها وجوب إفراغ التصرفات الواردة على الملكية العقارية والحقوق العينية في شكل رسمي مع تبيان هوية الأطراف في العقد، وكذا حظر تسجيل العقود العرفية الواردة على الملكية العقارية، وإلزامية إشهار كل العقود.
ففي 15 ديسمبر سنة 1970م صدر الأمر رقم 70/91 المتعلق بتنظيم التوثيق، وإلغاء مكاتب التوثيق والمحاكم الشرعية، وأنشئت مكانها مكاتب للتوثيق تابعة لوزارة العدل، فكان الموثقون يشكلون سلكا من الموظفين، وفي 06 جانفي 1971م صدر القانون الأساسي للموثقين، وفي 12 يوليو 1988م صدر القانون المتضمن تنظيم مهنة التوثيق، والذي حرر المهنة وجعلها تمارس للحساب الخاص.
وتزداد أهمية التوثيق في الحفاظ على الحقوق وحماية الأموال من الضياع، وإبعاد المتعاملين عن النزاعات والخصومات، وقطع أسباب النزاع وتنظيم المعاملات وبعث الثقة بين الناس، ونجد أن الكتابة فرض شرعي وطلبه أو الأمر به تطبيق لشرع الله، وحرصٌ على إرضائه، وامتثالٌ لأوامره واجتنابٌ لنواهيه، وأمام ضعف الوازع الديني، ورخص الذمم، وفساد الأخلاق، أصبح التوثيق في كل المعاملات أكثر من واجب، فعلى المسلم الحريص أن لا يقصّر في القيام به مهما بلغت درجة الثقة، وحسن النية، والتوثيق وسيلة للإثبات، يحتج بها عند الإنكار، وقد يكون شرطا ضروريا لانعقاد بعض المعاملات التي يشترط فيها المشرع الشكلية، فالحرص على التوثيق الرسمي المعتد به حسب ما يشرعه السلطان أو الحاكم في كل عصر ومصر، هو من تمام الحفاظ على نعم الله.
تنص المادة 333 من القانون المدني على أن التصرف بالكتابة شرط ضروري إذا تجاوز المبلغ ألف دينار جزائري، «في غير المواد التجارية إذا كان التصرف القانوني تزيد قيمته على ألف دينار جزائري أو كان غير محدد القيمة فلا تجوز البينة في إثبات وجوده أو انقضائه ما لم يوجد نص يقضي بغير ذلك»(9).
والموثق ضابط عمومي، يقوم بتحرير العقود وتسجيلها وبحفظ أصولها، وتمتد اختصاصاته إلى كامل التراب الوطني، كما يتولى استلام أصول جميع العقود، والوثائق للإيداع.
نظم المشرع الجزائري مهنة التوثيق بالقانون الأخير المتضمن تنظيم التوثيق ومهنة الموثق 2005م وبهذا القانون وضع المشرع القواعد العامة لمهنة الموثق وحدد كيفيات تنظيم المهنة وممارستها(10). ويخول هذا القانون لوزير العدل حافظ الأختام، صلاحية إنشاء المكاتب العمومية للتوثيق دون تقيده في ذلك بخريطة للمكاتب معدة مسبقا، وتسري على تلك المكاتب، أحكام هذا القانون والتشريع المعمول به، ويمتد اختصاصها الإقليمي إلى كامل التراب الوطني(11) أي أن الموثق يمكنه توثيق كل العقود المبرمة عبر التراب الوطني. وتنشأ وتلغى المكاتب العمومية للتوثيق وفقا لمعايير موضوعية، بموجب قرار من وزير العدل حافظ الأختام.
كما تضمنت أحكام هذا القانون تعريف الموثق بأنه ضابط عمومي مفوض من قبل السلطة العمومية لممارسة جزء من صلاحياتها المتمثلة في تحرير العقود الرسمية والعقود التي يرغب الأشخاص في إعطائها الصبغة الرسمية(12).
كما يقرر حماية قانونية لمكتب التوثيق، فلا يجوز تفتيشه أو حجز الوثائق المودعة فيه، إلا بناء على أمر قضائي مكتوب، وبحضور رئيس الغرفة الجهوية للموثقين أو الموثق الذي يمثله وبعد إخطاره قانونا، ويقع تحت طائلة البطلان كل إجراء يخالف أحكام هذه المادة(13).
وتنحصر مهام الموثق في:
1 - يسند لكل موثق مكتب عمومي للتوثيق، يتولى تسييره لحسابه الخاص وتحت مسؤوليته، ويمكن أن يسير في شكل شركة مدنية مهنية، أو مكاتب مجمعة(14).
يجب أن يكون مكتب التوثيق خاضعا لشروط ومقاييس خاصة.
وتتمثل مهمته في توثيق العقود التي تتضمن نقل ملكية عقارية، ومحلات تجارية، أو صناعية، أو التخلي عن أسهم في شركة، وتوثيق عقود الزواج، وعقود الإيجار، وعقود تأسيس شركات، والمعدلة لها، والوصايا، والهبات، وتصفية التركات(15).
2 - علاوة على ما للعقود التي ينجزها الموثق من قيمة قانونية، فإنها أيضا وثائق ذات قيمة تاريخية بالغة الأهمية تستوجب الحماية من التلف والضياع وتحديد المسؤولية عنها بدقة. و لذلك فقد أوكل القانون للموثق مهمة الحفاظ على الأرشيف التوثيقي وتسييره(16).
3 - كما يتولى الموثق حفظ العقود التي يحررها أو يتسلمها للإيداع ويسهر على تنفيذ الإجراءات المنصوص عليها قانونا لاسيما تسجيل، وإعلان ونشر، وشهر العقود في الآجال المحددة قانونا.
4 - يقوم الموثق ضمن الشروط التي يحددها القانون، بتسليم نسخ تنفيذية للعقود التي يحررها أو نسخ عادية منها أو المستخرجات، والعقود التي لا يحتفظ بأصلها(17).
5 - يجب على الموثق أن يتأكد من صحة العقود الموثقة، وأن يقدم نصائحه إلى الأطراف، قصد انسجام اتفاقاتهم مع القوانين التي تسري عليها، وتضمن تنفيذها(18).
6 كما يعلم الموثق الأطراف بمدى التزاماتهم وحقوقهم، ويبين لهم الآثار، والالتزامات التي يخضعون لها، والاحتياطات والوسائل التي يتطلبها أو يمنحها لهم القانون لضمان نفاذ إرادتهم(19).
7 - يمكن للموثق أن يقدم في مجال اختصاصه وصلاحيته استشارات قانونية شفوية، كلما طلب منه ذلك، وإعلام الأطراف بحقوقهم والتزاماتهم وكذا الآثار المترتبة عن تصرفاتهم، دون أن يؤدي ذلك حتما إلى تحرير عقد(20).
8 - يلزم الموثق بالسر المهني، فلا يجوز له أن ينشر أو يفشي أية معلومات إلا بإذن من الأطراف أو باقتضاءات أو إعفاءات أقرتها القوانين والأنظمة المعمول بها(21).
9 - لا يجوز للموثق أن يمتنع، عن تحرير أي عقد يطلب منه، إلا إذا كان العقد المطلوب تحريره مخالفا للقوانين والأنظمة المعمول بها(22).
10 - يمكن الموثق أن يوظف تحت مسؤوليته الأشخاص الذين يراهم ضروريين لتسيير المكتب(23). وفي سبيل إنجاز هذه المهام العديدة والمتشعبة، ينص القانون على إمكانية توظيف الموثق مساعدين ضمن شروط وكيفيات يحددها القانون، الذي يتكفل بتحديد فئاتهم والمهام المنوطة بكل فئة منهم.
11 - يجب على الموثق أن يحسن مداركه العلمية، وهو ملزم بالمشاركة في أي برنامج تكويني، وبالتحلي بالمواظبة والجدية خلال التكوين(24).
يساهم الموثق أيضا في تكوين الموثقين المتربصين ومستخدمي مكاتب التوثيق.
أشكال العقود التوثيقية ومضمونها:
العقد الذي يحرره الموثق لا يكون رسميا إلا إذا توفرت فيه الشروط التي نصت عليه المادة 324 مدني، تحرر العقود التوثيقية، تحت طائلة البطلان، باللغة العربية في نص واحد وواضح، تسهل قراءته وبدون اختصار أو بياض أو نقص. أو كتابة بين الأسطر.
وتكتب المبالغ المالية، والسنة والشهر ويوم التوقيع على العقد بالحروف وتكتب التواريخ الأخرى بالأرقام(25).
ويصادق على الإحالات في الهامش، أو في أسفل الصفحات، وعلى عدد الكلمات المشطوبة في العقد بالتوقيع بالأحرف الأولى من قبل الموثق، والأطراف، وعند الاقتضاء الشهود والمترجم.
يجب ألا تتضمن العقود أي تحوير أو كتابة بين الأسطر أو إضافة كلمات.
تعتبر الكلمات المحورة أو المكتوبة بين السطور أو المضافة باطلة. تكون الكلمات المشطوبة غير المتنازع في عددها مكتوبة بشكل لا يشوبه أي شك أو التباس، ويصادق عليها في آخر العقد(26). تكون العقود التي يحتفظ بها الموثق تحت مسؤوليته، سواء كانت مكتوبة باليد أو بالآلة الكاتبة، أو مطبوعة، أو مستنسخة بالأجهزة وبكل وسيلة أخرى(27). دون الإخلال بالبيانات التي تستلزمها بعض النصوص الخاصة، يجب أن يتضمن العقد الذي يحرره الموثق البيانات الآتية:
1-اسم ولقب الموثق ومقر مكتبه، وعنوانه.
2-اسم ولقب وصفة وموطن وتاريخ ومكان ولادة الأطراف وجنسيتهم،
3-اسم ولقب وصفة وموطن وتاريخ ومكان ولادة الشهود عند الاقتضاء،
4-اسم ولقب وموطن المترجم عند الاقتضاء،
5-تحديد موضوعه، البيع أو الإيجار أو الزواج أو....
6-المكان والسنة والشهر واليوم الذي أبرم فيه،
7-وكالات الأطراف المصادق عليها التي يجب أن تلحق بالأصل،
8-التنويه على تلاوة الموثق على الأطراف النصوص الجبائية والتشريع الخاص المعمول به،
9-توقيع الأطراف، والشهود، والموثق والمترجم عند الاقتضاء(28).
لا تخضع العقود الموثقة للتصديق، إلا إذا اقتضى الأمر عرضها على سلطات أجنبية، ما لم تنص على خلاف ذلك الاتفاقيات الدولية. و يتم التصديق على العقد من قبل رئيس محكمة محل تواجد المكتب(29).
تسلم النسخة الممهورة بالصيغة التنفيذية للعقد التوثيقي وفقا للتشريع المعمول به، ويسري عليها ما يسري على تنفيذ الأحكام القضائية، ويؤشر على الأصل بتسليم النسخة التنفيذية(30). لا تسلم إلا نسخة تنفيذية واحدة تحت طائلة العقوبات التأديبية. غير أنه يمكن تسليم نسخة تنفيذية ثانية بأمر صادر عن رئيس محكمة تواجد المكتب، ويرفق الأمر الصادر بالأصل(31).
السجلات والأختام:
يمسك الموثق فهرسا للعقود التي يتلقاها بما فيها تلك التي لا يحتفظ بأصلها، وسجلات أخرى ترقم ويؤشر عليها من قبل رئيس المحكمة التي يقع مكتبه بدائرة اختصاصها. يحدد شكل ونموذج هذه السجلات بقرار من وزير العدل، حافظ الأختام(32). يسلم وزير العدل، حافظ الأختام، لكل موثق خاتما للدولة خاصا به طبقا للتشريع المعمول به.
يجب على الموثق تحت طائلة البطلان دمغ نسخ العقود، والنسخ التنفيذية والمستخرجات التي يقوم بتحريرها أو تسليمها بخاتم الدولة الخاص به. يتعين على الموثق أن يودع توقيعه وعلامته لدى كل من أمانة ضبط المحكمة والمجلس القضائي لمحل تواجد مكتبه، والغرفة الجهوية للموثقين(33).
المحاسبة والعمليات المالية والضمان:
يمسك الموثق محاسبة لتسجيل الإيرادات والمصاريف وكذلك محاسبة خاصة بزبائنه(34). يقوم الموثق بتحصيل الحقوق والرسوم لحساب الخزينة العمومية من طرف الملزمين بتسديدها بمناسبة تحرير العقود ويدفع مباشرة لقباضات الضرائب المبالغ الواجبة على الأطراف بفعل الضريبة، ويخضع في ذلك لمراقبة المصالح المختصة للدولة وفقا للتشريع المعمول به.
وينبغي على الموثق فتح حساب ودائع لدى الخزينة العمومية تودع فيه المبالغ التي يحوزها(35). يتقاضى الموثق مباشرة أتعابا عن خدماته من زبائنه حسب التعريفة الرسمية مقابل وصل مفصل(36). يحظر على الموثق تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات(37) ما يلي:
1. استعمال المبالغ أو القيم المالية المودعة لديه، بأية صفة كانت في غير الاستعمال المخصص لها، ولو بصورة مؤقتة.
2. الاحتفاظ ولو في حالة الاعتراض بالمبالغ الواجبة الدفع إلى قباضات الضرائب والخزينة العمومية.
3. العمل على توقيع السندات أو الاعترافات بدين دون أن يذكر فيها اسم الدائن. يتعين على الموثق اكتتاب تأمين لضمان مسؤوليته المدنية(38).
أهمية التوثيق في الحياة الاجتماعية:
1 - تعزيز الثقة بين المتعاملين:
إن حرص الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية على إصلاح ذات البين وإبعاد كل ما من شأنه أن يثير الأحقاد والنزاعات والخلافات وإفساد العلاقات بين الناس، ومن ذلك تحريمه لكثير من المعاملات المشبوهة مثل الربا والقمار وغيرها، ومن ذلك أمر الله تبارك وتعالى بتوثيق الدين والإشهاد عليه، فالتوثيق من شأنه أن يبعد الشك والريبة بين المتعاملين، لأن المعاملات قد يهدمها النسيان والتناسي والغفلة والتغافل، والشبهة والاشتباه وطول المدة فالوثيقة المكتوبة ترفع كل ريبة وتبعد كل خلاف.
والواقع يثبت أن الكثير من النزاعات والخصومات المطروحة اليوم على المحاكم أو التي أعيت مجالس الصلح من أهل الحل والعقد، كان سببها عدم توثيق التصرفات، وتحديد الالتزامات، ويقول الشيخ بيوض رحمه الله في معرض كلامه عن الكسب الحرام: (كثير من الناس يهملون أمر الكتابة، يعتمدون على ذاكرتهم وبعد أيام من الاتفاق يتخيل كل واحد منهم: لقد قلنا كذا، لقد قيل كذا، وبعد عام أو عامين يتعقد المشكل أكثر، فيحدث الخصام، لقد قلت كذا، ولم أقل، أنا قصدت هذا ولم أقصد ذلك، فبين عبارة وأخرى فرق كبير، فيتخاصمان ودائما تعرض علي مئات من المشاكل وأول سؤال أطرحه على المتخاصمين: هل هناك كتابة للاتفاق بينكما حتى نستنطق الكلمات؟ لا لم نكتب. لماذا؟ سبحان الله إن الله تبارك وتعالى قال في الدَّيْن والذي هو أبسط من الشركة {يا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ اِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}(39).
2 - اكتشاف العقود الفاسدة:
كثير من الناس يحررون عقودا معتقدين صحتها، أو يحوزون عقودا قديمة يظنون صلاحيتها للإثبات في الوقت المناسب، وعرضها على الموثق يكشف فساد تلك العقود وعدم تطابقها مع القانون، لأن من وظيفة الموثق تمحيص العقود والتأكد من صحتها ثم تقديم الإرشادات والنصائح للمتعاملين، حول الشكل القانوني الصحيح الذي يجب أن يصب فيها التزامهم، والمعلومات الضرورية التي يجب أن يتضمنها العقد الصحيح.
يقول الأستاذ الموثق حمدان بكاي «يقدم الموثق نصائح إلى الأطراف لتكون اتفاقياتهم منسجمة مع القوانين التي تسري عليها وتضمن تنفيذها، كما يعلم الأطراف بمدى التزاماتهم، وما لكل منهم من حقوق ويشرح لهم جميع الآثار والالتزامات التي سيخضعون لها، ويبين لهم أخيرا الاحتياطات والوسائل التي يتطلبها أو يمنحها لضمان تنفيذ إراداتهم»(40).
3 - الحجية في إثبات الحقوق:
التوثيق بالكتابة من أهم وأوكد الوسائل في إثبات الحقوق، يرجع إليها عند المنازعات لتبيين الحق المدعى به. ولكي تكون الكتابة الموثقة حجة للاستدلال بها يجب أن تستوفي الشروط القانونية، كما يجب أن تسلم من العيوب المادية كالتشطيب، والتزوير، والتهميش، والزيادات، واختلاف الخطوط.
أهمية التوثيق في الحياة الاقتصادية:
وبما أن التوثيق أداة من الأدوات الأساسية والضرورية في أي تطور اقتصادي، فإنه لابد من الاعتناء به، وذلك باعتماد أحدث الطرق في عمليات توثيق العقود الاقتصادية حيث الحاجة الماسة إلى الثقة والائتمان في تداول الأموال، فالموثق طرف فعال في الحياة الاقتصادية للبلاد يساهم بقدراته وخبراته في تنوير الأفراد ونشر الثقافة القانونية، بينهم حتى تكون معاملاتهم منسجمة مع القانون(41).
1 - الحفاظ على الأموال:
حفظ المال من كليات الشريعة لأنه قوام الحياة، والمال مال الله استخلفنا عليه لرعايته والتصرف فيه وفق ما يقتضيه الشرع، والتوثيق جهد يبذله المتعاقدان حرصا على الحفاظ على الأموال من الضياع، فالمال إذا قيد بعقد كتابي لا يستطيع أحد إنكاره، أو الإنقاص منه، أو تغيير محتوى العقد، أو المقصود من التصرف إلى غرض آخر.
2 - التداول الشرعي للأموال:
تداول الأموال من أهم مقاصد الشريعة، وبالتداول ينشط الاقتصاد وبالتوثيق تتحرك الأموال بين الناس بكل ثقة، فتتحرك دواليب الاقتصاد، وكلما تزعزعت الثقة بين الناس أحجم الناس عن التداول والاقتراض، فتتكدس وتكتنز الأموال، فتتعطل عجلة الاقتصاد(42).
ومن أهم الأموال العقار وهو أعقد وأصعب الأموال تداولا فلا يمكن ضمان النزاهة في تداول العقارات ونقل ملكيتها إلا بالعقد الموثق المستوفي للشروط القانونية كالتسجيل والشهر العقاري، والحفظ لدى المصلحة المختصة، لأن القيود الواردة على العقارات خفية وغير مرئية للعيان على العقار نفسه ولا على وثائق مدعي الملكية(43).
3 - التشجيع على الاستثمار:
التوثيق هو الذي يشجع كل متعامل على إفراغ إرادته في المعاملة المالية على المقصد المرجو فتتنوع العقود ويضبطها الموثق وفق القانون، فمن المتعاملين من يقصد الإقراض، ومنهم من يقصد المضاربة، ومنهم من يريد المشاركة، وغيرها من العقود المسماة أو غير المسماة؛ فالعقد شريعة المتعاقدين، والقانون يجيز للمتعاقدين إفراغ إرادتهم في القالب القانوني بعقد توثيقي.
والاستثمار بمعاملات متطورة في الصفقات والاتفاقيات والمعاملات المالية في أسواق الأسهم والبورصات، والصفقات الدولية والشركات المتعددة الجنسيات، يحتاج إلى توثيق متطور يواكب حاجيات ومتطلبات الاقتصاد المعاصر، والجزائر مقبلة على تحولات اقتصادية هامة، منها استقطاب المستثمرين الأجانب، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار، مما ينتج عنه تأسيس شركات تجارية ومدنية كبرى تحتاج إلى الثقة والأمان، على أموالها وعقودها ولا يضطلع بذلك إلا الموثق الكفء.
4 المشاركة في هيئات اقتصادية هامة:
نظرا لأهمية الموثق في الحياة الاقتصادية العامة فهو يحتل مناصب حساسة منها:
أ - عضوية عن طريق ممثل دائم للغرفة الوطنية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
ب - العضوية في المرصد الوطني لمكافحة الرشوة.
ج - عضوية اللجنة الوطنية لإحصاء الممتلكات الخاصة بالإطارات السامية للدولة.
د - المساهمة في دراسة ومناقشة المحاور الكبرى لإستراتيجية التنمية الاقتصادية الوطنية.
هـ - المساهمة المباشرة في إعداد القوانين الأساسية للشركات العمومية.
5 - المساهمة في تحصيل الضرائب:
يقوم الموثق بإيداع أموال الزبائن لديه في حساب المكتب المفتوح بالخزينة والناتجة عن المعاملات الخاصة بالأموال العقارية والمنقولة وبرؤوس أموال تأسيس الشركات التجارية والتنازل عن الحصص …. وغيرها.
-------------
هوامش
1 - ابن منظور لسان العرب، ترتيب: يوسف خياط، دار لسان العرب، بيروت د. ط. ت. مادة - وثق - ج3 ص 76.
2 - سورة الفجر الآية 26.
3 - د. عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، دار النشر للجامعات المصرية، د. ط. 1956م ج2 ص 89.
4 - المادة 324 القانون المدني.
5 - الآيتان 282 و283 من سورة البقرة.
6 - د. عبد الفتاح طبارة، روح الدين الإسلامي، ص 316.
7 - الأستاذ دليمي رابح، مهنة الموثق وآفاقها، تدخل في اليوم الدراسي 20 جوان 1995.
8 - بمقتضى القانون رقم 62/157 المؤرخ في 31ديسمبر 1962 مدد العمل بالتشريع المعمول به قبل هذا التاريخ باستثناء ما يتعارض والسيادة الوطنية وذلك إلى غاية سن قوانين جزائرية.
9 - المادة 333 من القانون المدني الجزائري.
10 - المادة 01 من القانون المتضمن تنظيم التوثيق ومهنة الموثق.
11 - المادة 02 من نفس القانون.
12 - المادة 03 من نفس القانون.
13 - المادة 04 من نفس القانون.
14 - المادة 08 من قانون التوثيق.
15 الأستاذ دليمي رابح، مهنة الموثق وآفاقها، تدخل في اليوم الدراسي 20 جوان 1995.
16 - المادة 09 من قانون التوثيق.
17 - المادة 10 من قانون التوثيق.
18 - المادة 11 من قانون التوثيق.
19 - المادة 12 من قانون التوثيق.
20 - المادة 13 من قانون التوثيق
21 - المادة 14 من قانون التوثيق.
22 - المادة 15 من قانون التوثيق.
23 - المادة 16 من قانون التوثيق.
24 - المادة 18 من قانون التوثيق.
25 - المادة 26 من قانون التوثيق.
26 - المادة 27 من قانون التوثيق.
27 - المادة 28 من قانون التوثيق.
28 - المادة 29 من قانون التوثيق.
29 - المادة 30 من قانون التوثيق.
30 - المادة 31 من قانون التوثيق.
31 - المادة 32 من قانون التوثيق.
32 - المادة 37 من قانون التوثيق.
33 - المادة 38 من قانون التوثيق.
34 - المادة 39 من قانون التوثيق.
35 - المادة 40 من قانون التوثيق.
36 - المادة 41 من قانون التوثيق.
37 - المادة 42 من قانون التوثيق.
38 - المادة 43 من قانون التوثيق.
39 - سورة البقرة الآية رقم 282.
40 - الأستاذ حمدان بكاي، مقال العقد التوثيقي، مجلة الموثق العدد 07، جويلية 1999، ص26.
41 - الأستاذ دليمي رابح، مهنة الموثق وآفاقها، تدخل في اليوم الدراسي 20 جوان 1995.
42 - د. محمود الخالدي، سوسيولوجيا الاقتصاد الإسلامي، ص 58.
43 - الأستاذ، كمين مسعود، عقد الشهرة ونظامه القانوني، مجلة الموثق، العدد 10 سنة 2003.

نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 12، 1429هـ/2008م، ص 57-71.
 
< السابق   التالى >