الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





شرح أصول الدين للشيخ اطفيش - دراسة وتحقيق القسم الأول طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ د. مصطفى بن الناصر وينتن   
19/06/2010
ouinten_mustafa1.jpg
الرسائل الجامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ مصطفى بن الناصر وينتن
(أستاذ بجامعة الأمير عبد القادر قسنطينة)
 
كتاب شرح أصول الدين
للشيخ امحمد بن يوسف اطفيش
دراسة وتحقيق القسم الأول
هذه دراسة وتحقيق لكتاب في التراث الفكري الإسلامي العقدي الكلامي، وهو "شرح أصول الدين" للشيخ امحمد بن يوسف اطفيش الإباضي الجزائري من أعلام القرن الثالث عشر والرابع عشر الهجريين. 
تظهر أهمية هذا الكتاب من حيث مضمونه، وطريقة تأليفه، فهو الكتاب الذي ألَّفه الشيخ خاصا في هذا المجال، واعتنى به، وذكره في مؤلفاته مرارا، وهو مرجع أساسيٌّ في معرفة آراء الشيخ وآراء الإباضيَّة. 
كتاب «شرح أصول الدين»، متنه وأصله للشيخ تبغورين بن عيسى الملشوطي من علماء المغرب في القرن الخامس الهجري، يضم قسمين:
الأول منهما في الأصول العقدية. 
والثاني في مسائل وقضايا كلامية تابعة لهذه الأصول. 
و ينقسم البحث إلى قسمين:
الأول: يدرس الآراء الكلامية عند الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش من خلال هذا الكتاب، ويقدم تحليلا لها. 
والثاني: تحقيق النص من خلال النسخ الخطية المتوفرة في المكتبات. 
في القسم الأول منه حاول الباحث إثباث الأطروحة الآتية:
أصول الدين في حقيقتها واحدة، وما جرى من خلاف بين المسلمين يمكن تجاوزه بإعادة صياغة أصول الدين، وتحديد المفاهيم حولها، فالأصول المذهبية هي أصول مميِّزة لكل مذهب عن غيره، وليست هي أصول الدين، وكان للاختلاف حول هذه الأصول أثره الواضح على تاريخ المسلمين الفكري والسياسي والاجتماعي. 
وأما في القسم الثاني من البحث فالعمل فيه هو إثبات النص الحقيق بأن ينسب إلى الشيخ اطفيش من ضمن اختلاف النسخ الموجودة. 
فالأول (قسم الدارسة)، خصصناه لتقديم دراسة عن علم الكلام لدى الإباضية وكتاب "شرح أصول الدين"، في أربعة فصول:
الفصل الأول: في التعريف بكتاب أصول الدين ومؤلفه الشيخ تبغورين. 
والفصل الثاني: في التعريف بالشيخ امحمد بن يوسف اطفيش. 
والفصل الثالث: تعريف بكتاب "شرح أصول الدين" ونسبته إلى المؤلف، ودراسة مصادر الشيخ في الشرح، وطريقة تعامله معها، ومنهجه في الشرح، والاستدلال، وموقفه من المخالفين له في الرأي. 
والفصل الرابع: دراسة شرح الشيخ للأصول العشرة وتحليله. 
وأنهينا هذا القسم بخاتمة بيَّنا فيها النتائج التي توصلنا إليها في الدراسة والتحليل، ومكانة كتاب "شرح أصول الدين" وأهميته. 
وفي القسم الثاني: وهو قسم تحقيق النص، تناولنا في مبحث منه تقديم وضعية نسخ الكتاب ووصفها والمكتبات التي تحتفظ بها، وقارنا بينها للوصول إلى النسخة التي اعتبرناها أصلا، ورمز كل واحدة منها. 
وفي الأخير الفهارس التي تقتضيها طبيعة الدراسة والنص المحقق، وهي تسهل الدخول إلى النص، وتيسر التعامل معه. 
واقتضت طبيعة قسم الدراسة اتباع ما تتيحه المناهج العلمية للدراسة حسب القضايا التي يتناولها كتاب شرح أصول الدين، مثل المنهج الوصفي؛ والمنهج التحليلي، مع الاستعانة بالمقارنات خاصة في المقارنة بين الإباضية وبين الأشاعرة، وبينهم وبين المعتزلة، وكذا الاستعانة بالمنهج التاريخي. 
أمَّا في قسم التحقيق، فقد اخترنا تتبع منهج الاستقصاء الذي عرف في المدرسة الرمضانية(1)، ويقوم على خدمة النص المحقق بأقصى ما يمكن حتى الوصول به إلى أقرب صورة تركها عليه المؤلف أو يرجى أن يرتضيها. 
ولم نقف على دراسة سابقة ولا تحقيق لكتاب «شرح أصول الدين»، سوى ما استفاده بعض الدارسين من نسخة مكتبة القطب ببني يزقن، وهي غير كاملة، وكانت ضمن مصادرهم في دراسة الفكر الإباضي، أو فكر الشيخ اطفيش خصوصا، كما أن هذه الدراسات لم تقدم شيئا تحليليا عن الكتاب سوى إشارات عامة، منها:
* «الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش»، لعدون جهلان. 
* «حاشية أصول الدين» ليوسف بن محمد المصعبي، دراسة وتحقيق حمو الشيهاني. 
* «البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية»، لفرحات الجعبيري. 
* «دراسات عن الإباضية»، لعمرو خليفة النامي. 
* « Introduction a l’étude de l’ibadisme et de sa théologie» للمستشرق بيار كوبرلي
* « La théologie ibadite, histoire genèse, formation, et formulation définitive » لمنصف خوجة. 
وكانت أهم مصادر الدراسة والتحقيق مؤلفات الشيخ اطفيش، والأعمال التي أنجزت في إطار المذهب الإباضي من الإباضية أو غيرهم، وكتب التراث الإسلامي عموما خاصة كتب الفرق، ومصادرها، ومصادر اللغة العربية، ومصادر تاريخ المغرب الإسلامي خاصة. 
وخلصت الدراسة إلى نتائج أهمها:
يعتبر كتاب «أصول الدين» للشيخ تبغورين بن عيسى من المصادر الإباضية الأساسية، لأهمية مضمونه ومكانة مؤلفه وعصره. 
تناوله بالدرس أربعة أعلام في خمسة أعمال آخرهم هذا الكتاب الذي أتممنا تحقيق جزئه الأول للشيخ اطفيش. 
اختصر كتاب «شرح أصول الدين» مسيرة المذهب في تسعة قرون، من أصله ومتنه الذي يعود إلى القرن الخامس الهجري إلى شرحه الذي انتهى في القرن الرابع عشر الهجري. 
وأظهر تحقيق كتاب «شرح أصول الدين» جوانب متعددة من مظاهر الاهتمام بالبحث العقدي والكلامي عند الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش. 
العنوان المختار للكتاب لم يكن من وضع المؤلف، فقد أثبت البحث أن الشيخ اكتفى في الإشارة إليه بقوله: «شرح تبغورين»، وهي طريقة معهودة في شروحه، يحيل بها على اسم صاحب أصل الكتاب المشروح، واخترنا العنوان العلمي المعبر عن حقيقة الكتاب وهو: «شرح أصول الدين»، بناء على أن عنوان الأصل هو «أصول الدين». 
عدَّد الشيخ من مصادره في الشرح، منها مصادر إباضية وغير إباضية خاصة: «مسند الربيع بن حبيب»، و«الموجز» لأبي عمار عبد الكافي، و«حاشية أصول الدين» للمصعبي يوسف بن محمد؛ و«المواقف» لعضد الدين عبد الرحمن الإيجي، وشرحه للجرجاني، وشرح المقاصد للتفتازاني مسعود بن عمر، يضاف إليها كتب التفسير والحديث. 
كثيرا ما نقل منها بالنص، خاصة من حاشية المصعبي، وأوضحت الدراسة أن كثيرا من نقوله استفادها منه. 
وتميز منهج المؤلف في تعامله مع نص تبغورين بجملة من الخصائص، منها:
* الشرح الوافي المستفيض، والمتوسع فيه. 
* الاستطرادات الكثيرة خارج موضوع الكتاب. 
* التدقيق والاستدراك على ما أورده تبغورين من أدلة على الأصول العشرة. 
* تلخيص المسائل، وسبق المؤلف إلى ذكر النتائج. 
* الاهتمام بالشرح اللغوي لألفاظ المتن والاستشهاد، والرجوع إلى مصادر اللغة. 
* التوسع في الاستدلال، وإيراد الروايات المتعددة للدليل الواحد خاصة في الاستدلال من السنة. 
* اتبع المدرسة الإباضية، ولم يخرج عنها، وكان عمله في إطارها؛ فمصدر الدليل هو السمع من قرآن وسنة، والعقل يعتبر عنده ذا وظيفة محدودة في إطار النص، يفهمه، ويوضحه، ولا يكون حَكَمًا عليه. 
* أخذ بالتأويل تحقيقا للتنزيه كما هو عند الإباضية. 
ومن جهة أخرى أظهرت دراسة الأصول التي شرحها الشيخ اطفيش في هذا الجزء من الكتاب نتائج منها:
1 إن مصطلح الأصول ما زال يحتاج إلى ضبط وتدقيق، فقد تداوله العلماء المسلمون، لكن بغير اتفاق على مدلول واحد، فهو من جهة قابل لاستعمالات متعددة لا يحددها إلاَّ السياق الذي يرد فيه، ومن جهة أخرى يوحي بالرجوع إلى مصدر واحد، مما يحمل معنى التوحد والاتفاق، والواقع غير ذلك؛ فإن الأصول التي درسها الشيخ اطفيش وشرحها هي من جنس ما تفرد به كل مذهب ليتميز عن غيره. 
2 هذه الأصول وإن كانت تظهر مواقف الإباضية وأقوالهم، إلاَّ أنها ليست وافية بكل القضايا العقدية، وغير متفق عليها بينهم، فالبحث يظهر أنها من استنباط الشيخ تبغورين واجتهاده، ووافقه عليها بعض العلماء. 
3 لم تكن هذه الأصول عند الشيخ مجسدة لرأيه في عددها ولا في تعيينها ولا في مقاييس تحديدها كما هي في مؤلفاته الأخرى، مما يستدعي مزيد بحث ودراسة، وهذا في سبيل الوصول إلى أصول عقدية مجسدة لوحدة الدين، والتوحيد. 
4 يمكن تصنيف الأصول التي وضعها تبغورين وشرحها الشيخ اطفيش حسب موضوعها إلى ثلاث مجموعات:
أ الأصلان المتعلقان بالألوهية والغيب: وهما: أصل «التوحيد» وأصل «الأسماء والصفات»، وبيَّن في شرحهما تفَرُّد الله تعالى عن خلقه في كل شيء، ووحدة الصفات والذات، من غير تعطيل، ولا نفي. 
ب الأصول المتعلقة بالإنسان ومصيره: وهي ستة: أصل القدر، وأصل العدل، وأصل الوعد والوعيد، وأصل المنزلة بين المنزلتين، وأصل لا منزلة بين المنزلتين، وأصل الأسماء والأحكام. 
وهذه الستة تقدم منظومة من أسس التعامل بين البشر وبين المسلمين خصوصا، وظهر فيها الاهتمام الكبير بصاحب الكبيرة ومصيره. 
كما ظهر من خلال دراسة هذه الأصول أن الاختلاف في أغلبها لم يكن بالقدر الذي تصوره البحوث الكلامية، ولا الجدل الواقع، ومن بين الأسباب في ذلك عدم تحرير موطن الخلاف بدقة، وعدم تحديد المفاهيم، ولو تم هذا لزالت كثير من مظاهر الاختلاف. 
ج الأصول المتعلقة بالمجتمع والسياسة: وهي ثلاثة: أصل الأسماء والأحكام، وأصل الولاية والبراءة، وأصل الأمر والنهي. 
وهذه الأصول اهتمت ببيان العلاقات الإنسانية والاجتماعية والسياسية التي تضبط المجتمع المسلم، وفيها تحديد للمواقف في مظهر الولاية بين المسلمين والبراءة من الكافرين، وكيف تتجسد كل منهما، وكان موضوع النقاش الأوسع حول الموقف من صاحب الكبيرة من حيث ولايته أو البراءة منه، كما أن الجانب السياسي كان محوره إثبات وجوب إقامة الإمامة ومدى صلتها بالإيمان والعقيدة. 
ونظرة إلى هذه الأصول كما قدمها الشيخ اطفيش تبين أنه قدم من خلالها المذهب الإباضي وآراءه كما استقرت إلى عهده؛ وكان له بتأخره فضل الإحاطة بما انتهى إليه المذهب في البحث العقدي، وأمكنه بذلك أن يقدم فكر غيره من علماء الإباضية إلى عهده. 
ونقد أقوال علماء الإباضية، خاصة فيما ظهر فيه اختلاف، مثل الجبر والاختيار والجبل، ومسألة تعميم مصطلح النفاق على إظهار التوحيد وإضمار الشرك، وعلى إضمار التوحيد وفعل المعاصي بالنسبة إلى صاحب الكبيرة. 
كما قارن بين أقوال الإباضية وأقوال غيرهم من الفرق الإسلامية خاصة منها المعتزلة والأشاعرة، والخوارج، فأظهر أوجه الاتفاق والاختلاف في كل مسألة شرحها من مسائل المتن؛ كان ميَّالا إلى إظهار الاتفاق بين الإباضية والأشاعرة خاصة. 
لقد كان عمل الشيخ فيما يخص المقارنات الداخلية بين الإباضية مصححا للمفاهيم ومدققا لاختيار الأدلة في المسائل خاصة فيما خالف فيه الشيخ تبغورين. 
بينما تمثل عمله في المقارنات الخارجية في إظهار ما يراه هو الصواب، ومشيرا إلى الخلل الذي يراه في مواقف غير الإباضية. 
وبذلك شكل الكتاب نموذجا من المناظرات والجدل بما فيه من إيجابيات وسلبيات في الفكر الإسلامي، ولم يخرج الشيخ اطفيش في هذا عن الانتصار لمذهبه، وكذا لم يتمكن أحيانا من تجاوز هذه العصبية رغم ما عرف عنه من تقدير العلم والتطلع إلى وحدة المسلمين والحث عليها. 
وإذا كان الشيخ وفيا لمذهبه في هذا الشرح في حدود المنهج، وفي العمل في إطار روح التفكير فيه، فإنه لم يكن أسير ما قاله سابقوه، بل ظهر جليا رأيه، وموقفه، وسعة اطلاعه، ومحاولته التوفيق أحيانا بين الأقوال خارج المذهب. 
وهذه الميزات مما يكسب الكتاب أهميته من حيث عمله على إثراء الفكر الإسلامي بوجهة نظر مخالفة أحيانا للمعهود بين المسلمين، يستفاد منها، وتُعين في الجواب عن كثير من الأسئلة العالقة. 
إلاَّ أنه من جانب آخر فإن الشيخ اطفيش لم يخرج عن المعهود القديم منهجا وقضايا إلاَّ في القليل، مما تعامل فيه مع قضايا عصره، واتخذ فيها مواقف تصدر عن إيمان وتوظيف للرصيد العقدي لديه، لكن في البحث تبدو الحاجة ملحة إلى مزيد عمل لتجسيد الوجه المشرق لمثل هذه الأصول بما يحقق المقاصد الشرعية، والأهداف الشريفة منها، في إطار وحدة المسلمين، والسعي في الإسهام للتمكين لدين الله تعالى في الأرض. 
وإن تحقيق التراث بدراسات موضوعية وهادفة إلى الاستفادة منه أحسن استفادة، لمن السبل الكفيلة بالاستجابة إلى مثل هذه الغاية، دون الوقوع في التكرير، أو إحياء موات الخلافات واستثارة ضغائن عصور ربما كان لها ما يبررها في وقتها. 
 
--------------------
هوامش:
(1) نسبة إلى صاحبها الدكتور رمضان عبد التواب، ينظر كتابه، مناهج تحقيق التراث. 
 
نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 11، 1428هـ/2007م، ص 231-237. 

 
< السابق   التالى >