الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





زوار الموقع
يوجد الآن 32 ضيوف يتصفحون الموقع

gsi-hosted.gif

صحافتنا وموقف الأمة إزاءها في الحالة الراهنة (2) طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ سعيد بن بالحاج شريفي -الشيخ عدون- رحمه الله   
23/06/2009
sahafa.jpg
مقال لفضيلة الشيخ عدون نشره في جريدة الأمة للشيخ أبي اليقظان، عدد: 12، السنة الأولى، وذلك يوم الثلاثاء 26 شعبان 1353هـ الموافق لـ 04 ديسمبر 1934م
 
... أما الصنف الثالث من الأمة الذين يرون الصحافة من لهو الحديث، ويرون أن إثمها أكبر من نفعها، وأنها أداة فساد ومثار شقاق وفتن الخ. فقد كنا عزمنا أن لا نتعرض لدحض شبهاتهم صونا لأوقاتنا وأوقات القراء من أن نصرفها في الاشتغال بأمثال هذه السفاسف التي صارت أضحوكة لدى كل عقل،
 وصارت مما يتندر بها؛ إذ هي أشبه شيء بكلام الأطفال الفاقدي الإدراك والتمييز. لكن رأينا الضرورة القاهرة تلجئنا مكرهين إلى النزول إلى مستواهم والخوض معهم فيما يخوضون.
وما حيلتنا إذا كنا نجد في القرن العشرين من يتفكرون تفكير من عاش في القرون الوسطى، ويحاولون تطبيق تلك الحالة على حالة هذا العصر، ويجدون من بسطاء العقول وضعاف الإدراك من يصغى لكلامهم ويراه صوابا؛ فكانوا بمحاولتهم هذه أعباءٌ حملتها الأمة على كاهلها – علاوة على ما ينهكها من أثقال – عوض أن يكونوا هم الحاملين لأعبائها المخففين لأثقالها.
فإذا تعرضنا لبعض شبهاتهم فإنما نعمل لتخفيف أثقال الأمة، والتقليل من مصائبها. فإما أن يفهم هؤلاء واجبهم نحو الأمة إذا أصغوا لكلامنا وفهموه؛ فيكفوا عن إذايتها بالطعن في مشاريعها الإصلاحية فينضموا إلى العاملين لتأييدها، وهذا ما نستبعده منهم؛ لأن أكثرهم لا ينقصهم الاستعداد للفهم وإنما تنقصهم إرادة الفهم، فلو أرادوا لفهموا؛ وإما أن يفهم الحائرون المترددون وضعاف العقول حتى لا تؤثر فيهم وساوس أولئك؛ فتبقى شبهاتهم منحصرة فيهم لا تجد سوقا تروج فيها؛ فتصبح بائرة مهملة فيخلو الجو لكل نافع. (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)
على أنه من الخطإ الواضح عدّ آرائهم هذه في الصحافة شبها؛ إذ لا نعلم عاقلا له مسكة من الإدراك يشتبه عليه أمرها، ولِأقلّ نظرة يلقيها عليها يحكم بفسادها ويدرك مبلغ عقول هؤلاء ومدى أنظارهم القصيرة، وهم أنفسهم لو أعادوا النظر وأنصفوا لأدركوا لأوّل وهلة أخطاءهم فيما يعتقدون ويحكمون. ولوضوح ذلك وظهوره نستغني عن بيانه وبسطه، ولكن لا منتدح لنا عن التعرض لنقطة واحدة هي منبع لكثير من الأغلاط ومصدر أخطائهم هذه.
ذلك أنهم يحكمون على فساد أي مشروع وعدم صلاحيته بفساد عارض قد يكون فيه أحيانا، ويغفلون عن النتائج العظمى التي تنتج عنه والتي لأجلها أنشئ وشرّع؛ فيكون من نتيجة هذا الحكم المبني على أوهى أساس السعيُ في هدمه ومحاربته. وما من مشروع سواء شرعه الله تعالى أو شرعه الناس لمصلحة دينية أو دنيوية إلا ويتسبب عنه فساد كبير إذا استعمل في غير وجهه المشروع. فالعلم الذي به سعادة الإنسان في معاشه ومعاده يكون سبب شقائه ودماره إذا استعمل في غير وجهه المشروع، وما هذه المدمرات الجهنمية التي يعدها الإنسان لتفتك بأخيه إلا وليدة العلم. والمال الذي يقيم الأعمال وبه صلاح كل شيء هو كذلك هادم لها وبه الفساد الكبير. وقل مثل ذلك فيما يتفرع عنهما من كلّ مشروع أدبي أو مادي، بل قل مثل ذلك حتى في الفرائض الدينية من صلاة أو زكاة الخ، إذا أديت على غير وجهها من رياء ونفاق ومحاباة ونحوها.
فلو جرينا على قاعدتهم هذه وطبقناها على كل مشروع كما طبقوها على الصحافة وغيرها لحكمنا على كل مشروع مما تقدم بالفساد، ولنتج عن ذلك وجوب محاربته ونتيجة ذلك خراب العالم.
إنّ العقل السليم يقضي بأن الفساد الذي يعرض في أي مشروع لا يكون حجة على فساده من أصله، ولا يتخذ دليلا على محاربته بل يجب إصلاح الناحية الفاسدة فيه، والاستفادة من الناحية الصالحة فيه في آن واحد بقدر الإمكان، والصحافة التي نحن بصدد الكلام عليها تجري على هذا المنوال؛ فنحن لا ننكر أنها كثيرا ما تكون من لهو الحديث، وأداة فساد وإثم الخ ما يقولون، ولكن هل من الحكمة والصواب أن نرفضها كليّا لأجل هذا الفساد العارض فيها - وفي استطاعتنا تلافيه أو اتقاؤه والحذر منه على الأقل- ونحرم أنفسنا من منافعها العظمى وأثرها الكبير في إسعاد البشر؟ وهل نعدّ مفاسدها شيئا إزاء منافعها التي لا تحصى؟ وما هو رأي هؤلاء في الكتب والمدرسين والوعاظ والخطباء والمحامين، وماذا يحكمون عليهم ما دامت وظيفتهم على نفس وظيفة الصحافة، وما يكون منها من منفعة وإثم يكون منها كذلك. وإذا كانوا لا يتجاسرون على أن يطبقوا عليهم حكمهم على الصحافة فما الذي خصصها بهذا الحكم من دونهم وليس بينهما أي فرق؟ اللهم إلا أن يكون ذنبها أنها من المحدثات بالنسبة إليهم، وهم أعداء لكل جديد لم يألفوه أو لم يريدوا أن يألفوه مهما كانت منفعته. على أن صحافتنا التي كان كلامنا عليها من أول الأمر ليس فيها مغمز لغامز ولا ما يكون لهم حجة – ولو على منطقهم السقيم – في رفضها فضلا عن محاربتها بل ليس فيها إلا ما يوجب الإقبال عليها وتأييدها بكل استطاعة.

 
< السابق   التالى >