الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





صحافتنا وموقف الأمة إزاءها في الحالة الراهنة (1) طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ سعيد بن بالحاج شريفي -الشيخ عدون- رحمه الله   
16/06/2009

jaridaa.jpgمقال لفضيلة الشيخ عدون نشره في جريدة الأمة للشيخ أبي اليقظان، السنة الأولى، عدد:11، وذلك يوم الثلاثاء 19 شعبان 1353هـ الموافق لـ 27 نوفمبر 1934م
... جاءتنا الصحافة لأوّل عهدها فصادفت أمّة يفتك بها المبيدان الجهل والشقاق، أمة مسلوبة الحياة المعنوية ووسائلها، من فقدان الوجدان، وضعف في الإيمان، وفساد في الأخلاق، وإدبار عن المعروف، وإقبال على المنكر، وإعراض عن أسباب الحياة، وتهافت عن موارد الردى،

فكان من الحكمة – عملا بالقاعدة الطبيعية «التخلي قبل التحلي»- أن تشتغل بنفخ روح الحياة فيها لتدب فيها الحركة، وتفتح بصرها؛ ولتعرف مقامها في هذا الوجود، ومنزلتها من بين الأمم، وأن تجسم في نظرها خطر الجهل وشدة فتكه، وتحملها على التخلص من قيوده المرهقة، والوقوف أمامه موقف المحارب لعدوّ شديد العداوة، شديد البطش، قد طمس عنه منابع الحياة وسد أبواب الخلاص؛ وأن تنير أمامها سبل الحياة، ترشد إلى الأخذ بأسبابها، وأن تعتني بشئونها الاجتماعية فتهذب أخلاقها، وتنفرها من الشقاق وأسبابه، وتستل من القلوب السخائم والأحقاد، وتغرس فيها الفضائل وحب الخير، وتحملها على التوادد والتعاطف والتعاون على البر والتقوى، والاعتصام بحبل الله والعمل لإعلاء كلمته. ذلك ما يجب على صحافتنا أن تشتغل به، وتبذل فيه مادام الجهل يفتك بأكثرية الأمة، ومادام الشقاق يغزوها ويقف أمام أكثر مشاريعها ومصالحها موقف الهادم.
ونحن إذا أنصفنا صحافتنا المخلصة نجدها أحسنت القيام بهذا الواجب المنتظر منها، وأعطته ما يستحق من العناية والاهتمام؛ فلا توصم بأدنى تقصير من هذه الناحية.
ولقد تفننت في طرق أداء هذه المهمة تفننا بديعا؛ فمن فصول جذابة تسحر الألباب بفصاحتها وبلاغتها، تحمل ما شئت من تحليل شاف، وتشخيص واف، وشرح للأسباب ضاف، وأدوية ناجعة تعرضها، وأنواع من المعالجات تفرضها، ومن ماض مجيد تستعرض ما فيه من سيادة قعساء وسلطان عريض، وعز منيع، وشرف رفيع، تلهب النفوس حماسة وغيرة وتدفعها لاسترجاع الفائت، ومن مستقبل رهيب تستكشف ما ينطوي عليه من خطر وهول، وتبعث على إعداد وسائل الاتقاء والاحتماء. ومن قصائد بليغة تستفز المشاعر، وتحفز الهمم، وتثير السواكن، وتبصر الأعمى وتسمع من به صمم، ومن تمثيل بديع بمحاورات لطيفة، تستهوي النفوس وتخلب الألباب بأسلوبها المنسجم، وتصويرها الرائع، ومن عِبر تسوقها، وحكايات ترويها، وأمثال تضربها، إلى غير ذلك من الوسائل التي تراها صالحة لفتح بصائر الأمة، وحملها على النهج القويم. فما صحافتنا إلا مدرسة منتقلة وبعثة متجولة همتها تنوير العقول وتثقيفها وتعريف الأمة بواجبها.
وإن من يرى مسلكها هذا أمرا مألوفا مبتذلا، ملّته الأسماع وعافته الطباع، ويريد منها أن تأخذ في سلوك خطة أخرى، والمقصودَ من المسلك الأول غير حاصل؛ فإنه يريد منها أن تضاد سنّة الكائنات، وتخالف العقل والواقع المحسوس، فتكون كمن يحاول تعليم الأعمى فن التصوير، أو الأصم نغمات الموسيقى. فإذا رأينا أن أكثر مجهودها يكاد ينحصر في تلك الناحية منذ سنين أي منذ وجودها فلم تهتم بغيرها اهتماما يذكر؛ فإنها لم تقم إلاّ بما يجب عليها طبعا وعقلا، ولا يمكن أن تتعداه بحال، فمادام الدهر يصيح بملء فيه قائلا -وهو من أصدق القائلين- إن العلم مفتاح الحياة والواقع يشهد بذلك- كان من الواجب عليها أن تبلغ هذا الصوت الدوي الذي يكاد يخرق صماخ الآذان إلى من تصامموا عنه، فبقوا منعزلين عن الحياة إذ فقدوا مفتاحها، فهل من المعقول أن تتصدى لخدمتهم وسط هذه الحياة وهو خارجون عنها؟ أليس من الحكمة البديهية أن تحملهم على التماس هذا المفتاح الذي لا تنفتح أبواب الحياة إلا به وإن استغرقت هذه المهمة دهرا طويلا ؟ واللوم في ذلك لا يعود إلا على المتصاممين المتقاعدين. فلو اكتفوا بصرخة واحدة وانصاعوا لها وهبّوا للعمل بمقتضاها لغيرت خطتها وسارت في غير هذا الطريق؛ فما دام القوم نائمين أو معتسفين الطريق فالصراخ الذي يوقظهم ويحملهم على الجادة لا ينقطع وإن أدى إلى إزعاجهم وإقلاق راحتهم؛ إذ هو في مصلحتهم. ومن الحمق أن يقوم هذا النائم أو هذا المعتسف فينحني باللائمة على هذا الصراخ بدعوى تكرار الصراخ واستمراره حتى صار مبتذلا مملولا لديه ولا يلوم نفسه المتصاممة عن سماع النداء المتثاقلة عن تلبيته وهو يدعوها إلى ما يحييها.
نعم إنه من العار الفاضح أن تبقى صحافتنا إلى اليوم مشتغلة بإيقاظ الأمة وحملها على أن تلتمس حقها في الحياة في وقت نرى فيه زميلاتها قد تربعت على عروش الممالك، تأمر وتنهى ويخضع لسلطانها كل متكبر جبار؛ لكن ما حيلتها إذا لم يتح لها أمثال تلك الأمم التي تعرف لها قيمتها وشرفها، وإنما أتيح لها أمة تحتقرها ولا تحفل بها، ولا تقيم لها وزنا ولا شأنا تستحق به التقدير! أمّةٌ معرضة عنها لا تسمع لها صوتا، ولا تطيع لها أمرا، وفيه سعادتها وعزّها الدائم، أمّةٌ لا تعرف أن لها حقا طبيعيا لا يعيش الإنسان بدونه، وهو حق الحياة بأسمى معانيها، وأن هذه الصحافة تبعثه على استشعار هذا الحق المسلوب وتدعوه لاسترداده. حاشا القسم الأول الذي أسلفنا الكلام عليه والذي لولاه لما رأينا في الأمة هذه الحركة التي تدبّ فيها، ولما تذوقنا بواكيرها، ولما رأينا لهذه الصحافة أثرا يذكر. ونريد اليوم من القسم الثاني الذي كان كلامنا في الفصل السابق وفي هذا موجها إليه أن ينضم إلى القسم الأول؛ فيطهر نفسه من تلك الوساوس التي حملته على احتقار الصحافة والاستهانة بها، والتي بيّـنا غلطه فيها، ويعترف بفضلها وأثرها العظيم في خدمة الأمة، ويقوم بما لها عليه من واجبات، من تتبّعها باهتمام والانصياع لصوتها وتلبيته، وتأييدها على أداء مهمتها بالوسائل الأدبية والمادية. فإذا فعل ذلك حل محله القسم الثالث بطبيعة الحال ريثما يلتحق به فتصبح الأمة جمعاء تقدس الصحافة, وإذ ذاك تتوجها وتجلسها على العرش كما أجلستها أمم من قبلهم.
                                                                                                     ...يتبع

 
< السابق   التالى >