|
التسرع في الحكم قبل التروي مصدر الخطأ ومبعث الشقاق |
|
|
|
الكاتب/ سعيد بن بالحاج شريفي -الشيخ عدون- رحمه الله
|
|
10/06/2009 |
|
مقال لفضيلة الشيخ عدون نشره بجريدة الأمة للشيخ أبي اليقظان في العدد: 50 من السنة الأولى، وذلك يوم الثلاثاء 14 شعبان 1354هـ الموافق لـ 12 نوفمبر 1935م
من النفوس نفوس طيبة العنصر، طاهرة المنبت، نقية السّاحة، مفطورة على حب الخير، مولعة بالأعمال الصالحة، لا تتطلع إلى ما يشينها، ولا يكاد الشّر يهتدي إليها سبيلا،
وإن ساقتها الأقدار يوما ونزلت بها على مرعى وخيم فألمت بذنب؛ فليس ذلك ناشئا عن غريزة متمكنة، وخبث متأصل، ولا عن رغبة ملحة، وغرض مقصود؛ إنما جاءت عن غفلة طارئة أو شبهة عارضة. إذا أتيح لها مرشد نصوح يذكرها فسرعان ما تستيقظ من غفلتها وتتنبه لخطابها فتثوب إلى رشدها وتلتزم الجادة « اِنَّ الذِينَ اتَّقَوِا اِذَا مَسَّهُمْ طَآئِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ» (الأعراف:201).
أصحاب هذه النفوس الزكية بفطرتها هم الذين لا يرِدُون حتى يتبينوا طريق الصدر، ولا يقدمون حتى ينظروا في أعقاب الأمر، ولا يحكمون حتى يتثبتوا، ولا يقولون حتى يترووا، فيكون الصواب أبدا حليفهم كما كان قصد الخير أبدا أليفهم، فما يزالون مصدر خير ونفع وصلاح للناس، لا ينتج عن أفعالهم وأقوالهم إلا الخير العميم.
أما ذوو النفوس الموبوءة المغرس، المطبوعة على الدناءة والخبث، المجبولة على الشرور والآثام التي تستثقل الخير، وتنفر من الصالحات، إنْ دعاها داعي الخير والصلاح تصاممت وولته الأدبار، وإن أهاب بها منادي الشر والفساد لبّت الدعوى متهافتة عليه « وَإِنْ يَّرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَّرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً» (الأعراف:146). أصحاب هذه النفوس الوبيئة هم الذين يحكمون قبل أن يتبينوا، ويقولون قبل أن يتفكروا، يغنيهم الوهم عن العلم، والظن عن التحقيق، والشبهة عن الحجة؛ فلا تكون أحكامهم إلا خاطئة، وأقوالهم إلا باطلة، ولا آراؤهم إلا خطلة. فما يزالون مصدر خطإ ومبعث شقاق وشر وفساد.
من الأغلاط الفادحة التي يكثر الوقوع فيها ويجب التحرز عنها لما ينتج عنها من عواقب وخيمة وشرور وبيلة، الإسراع في بت الحكم في رأي صادر أو حادث واقع من غير تثبت ولا ترو ولا إمعان نظر ولا تحقيق، وهو داء وبيل متفش بين الناس، ملازم لأكثرهم، شديد الخطر، عظيم الأثر. ولا نبعد عن الحقيقة إذا قلنا إن أكثر ما يقع بين الأفراد المتآخين والجماعات المتصافية من الشنآن والبغضاء بعد التوادد والتصافي، والشقاق والنزاع بعد الاتحاد والوئام متسبب عن هذه الآفة المهلكة والشرارة المبيدة. فكم فتكت من أوصال، وشتت من جموع، وأبادت من مشاريع، وقضت على مصالح هامة.
مصدر هذه الآفة أحد رجلين: رجل قصير النظر وفي طبعه خفة وطيش، تحمله خفته عند حدوث أمر على المبادرة إلى بث الحكم فيه من غير تأن وإمعان نظر واستقصاء بحث واستناد على دليل صحيح؛ فيحكم عليه بنظره القصير بما لا يتفق مع الحقيقة، ولا يتلاءم مع الواقع، أو يقلد فيه مثله تقليد الأعمى للأعمى بدون فكر ولا نظر فيسقط معه في هوته، وهو يحسب في كلتا الحالين أنه على هدى وصواب، وأنه لم يصدر في حكمه إلا عن بينة وتحقيق.
ورجل خبيث النفس لئيم الطبع له أغراض سيئة يريد تحقيقها ومقاصد عدوانية يسعى لبلوغها فيتخذ من الحوادث الملائمة سلما للوصول إلى أغراضه؛ فينسج لها أحكاما يلفقها من بعض الوقائع، سداها الكذب والبهتان، ولحمتها الأوهام والتخرصات، فيذيعها بين الناس فيتلقفها أمثاله من المغرضين وذوي القلوب المريضة الذين همهم الإرجاف، وشأنهم الهدم والتخريب، فيروجونها بعد تكبيرها، ويطيرونها بعد نفخها، فيتلقاها عنهم البسطاء والسذج السالمو الطوية، فيرمون بها الأبرياء حسبما تلقوها، ويقذفون بها – حسبما قيل لهم – وجوه العاملين المخلصين من دعاة الإصلاح والنهوض، الساهرة على مصالح الناس. وما الأوصاف التي يرمونهم بها جزافا من كفر وزندقة وإلحاد وفسوق، والعيوب التي يلصقونهم بها ظلما وعدوانا من خفة وطيش، وتهور وحماقة وتضليلٍ للعامة وإحداثٍ للشقاق بينهم وتطاول على مقام الأسلاف والأئمة الخ إلاّ أحكام لفقها وروجها أحد الرجلين؛ فالأول عن جهل وقصور وتقليد وحماقة, والثاني عن لؤم ودناءة وحسد ومكر.
فكم تجد هذه الدعاية الساقطة في الأوساط الجاهلة من قبول وانتشار، وفي النفوس الخبيثة من تمكن واستقرار بقدر ما نصادف لدى المتبصرين من إعراض وسخرية واحتقار.
فتثبت أيها العاقل فيما ترى وتسمع من حوادث وبالأخص فيما يروجه المغرضون من أراجيف وأكاذيب ضد رجال أمتك العاملين وأبنائها البررة المخلصين، الذين يشقون لسعادتها، ويتعبون لراحتها، بسواعدهم تعمل، وبأرجلهم تتقدم، وعلى كواهلهم ترتقي وما هي لولاهم بشيء.
أيها العاقل: لا تثبت حكم في شيء من ذلك إلا بعد أناة وتبصر، وبعد استقصاء البحث والتماس وجوه المعاذير الممكنة وإلا بعد أن تسمع من الخصم قوله فيما بلغك عنه، وتعرف حجته ومستنده فيما رمي به؛ فكم من رأي يظهر بادئ الأمر وجيها، وتحكم عليه أنه الصواب الذي لا مرية فيه ولكنك بعد إعادة النظر وقليل من البحث أو بعد سماع حجة الخصم تتبين خطأه وفساده. فمن كانت عادته الإسراع في الحكم قبل استقصاء هذه الوجوه كلها كان ذلك منه دليلا على أنه لا ينشد الحق ولا يلتمس الصواب، وإنما هو مغرض، له مقصد دنيء يريد تحقيقه، فهو يتجنب كل ما عسى أن يحول دون بلوغه حتى لو ينتهي به البحث إلى تبرئة ساحة خصمه، أو سمع منه مستنده فاقتنع بصحته لكابر الحقيقة الملموسة، ولحاول تمويه ما بدا له من صواب بالأضاليل ولا يرضى إلا بما يحقق أمنيته من إدانة خصمه لينال غرضه منه وهذا طبع من اعتلّت نفوسهم، وأزمنتها الأمراض، ولا أحسب عاقلا يرضى لنفسه هذا الطبع اللئيم وهذه الخسة الدنيئة. فنفسك أيها العاقل أكرم من أن تسف بها إلى هذا الحضيض، وأعز من أن تتركها فريسة لهذه الأمراض، ومرتعا لهذه الأوبئة.
فنفسك أكرمها فإنك إن تَهُن عليك فلن تلقى لها الدهر مكرما
|