الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





التسويف ومآل المفرطين طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ سعيد بن بالحاج شريفي -الشيخ عدون- رحمه الله   
08/06/2009

taswif1.jpgمقال لفضيلة الشيخ عدون نشره في جريدة النور للشيخ أبي اليقظان، عدد: 5 من السنة الأولى، وذلك يوم الثلاثاء 30 جمادى الأولى 1350هـ، الموافق لـ 13 أكتوبر 1931م.

ليس كل ما نرى من تقاعس الناس عن واجباتهم وإعراضهم عن القيام بها وتقصيرهم المخل بها آتيا من عدم الاعتراف بها، أو من العجز وعدم القدرة عنها، أو من قلّة الاكتراث بشأنها والاهتمام بها,

 ولا أنّ ذلك من قبل معاكسة الأيام ومناهضة الظروف وانتصاب العراقيل في طرقها، ولا من فقدان الفرص وانقطاع الأسباب؛ فإنّ أكثر الناس يعترفون بواجباتهم ويرونها منوطة بعهدتهم تستلزم نشاطا وتضحيةَ جهود، ويستشعرون بتحمل مسؤولية الإخلال بها، ويرجعون باللوم والعتاب على أنفسهم عند الإهمال. ولدى كلّ إنسان استعداد وقدرة على ما يتعلق به من حقوق وواجبات، والظروف في أكثر الأحيان مواتية، والأيام مساعدة، والفرص سانحة، والأسباب مهيأة، والطرق معـبّدة، وإنما العائق الحقيقي عن العمل الصّادّ عن القيام بالواجبات المقيد عن الحركة هو التسويف لا غير. فهو أعظم آفة تصيب الإنسان؛ إذ تبيد عمره، وتلاشي أوقاته، وتذهب بحياته شعاعا ولا يستفيد منها شيئا، بل تعود عليه بالوبال والخسران!
على الإنسان واجبات متعينة عليه، فإذا حاول أن يشرع في تنفيذ واجب منها استصعبته نفسه ميلا إلى الراحة، فيتركه مؤقتا على نيّـة أن يقوم به في وقت آخر، فإذا حان هذا الوقت أخرّه إلى مثله، ومنه إلى آخر وهكذا دواليك؛ فهو لا يفتأ عن "سوف أعمل وسوف أقوم وسوف أقضي"، فيمتدّ تسويفه بامتداد الوقت إلى أن يفوت وتسد أبواب العمل أمامه.
إنّ النّفس مهما كانت ميالة إلى الراحة نزاعة إلى البطالة والهوى، لا تقدر على مصادمة واجب متعين عليها فتنكره وتعرض عنه كلّيا، ولكنها تجد في التّسويف وانتظار الغد راحتها، فتستلقي على هذا الفراش الوثير إلى أن تستيقظ وقد غربت شمس الغد وفات الوقت، وإذ ذاك تقرع سنّ النّدم على ما فرطت حين لا يجديها أسف ولا ندم، وليس لهذا التفريط من سبب سوى التسويف. فكم أباد من أوقات، وضيّع من فرص، وفوّت من مصالح، وقضى على واجبات؛ فهو خدعة شيطانية يخدع بها النفوس الفاترة فتنخدع له، وأحبولة من حبائله يقتنص بها عمر الإنسان، فإذا هو في قبضته يتصرف فيه كيف شاء، وفيما ذا عسى أن يصرف الشيطان عمر الإنسان إذا تحكم فيه وصار في قبضته، أيصرفه في أبواب الخيرات، ويسلك به سبل المبرات ويكسبه به فضائل وآثارا حميدة، أم يبدده ويعبث به عبث السفيه بمال أبيه فلا يعود عليه إلا بالخسران والهلاك!!
تسنح للإنسان فرص تساعده على قضاء مهماته ومزاولة شؤونه؛ فيسوّف ويماطل ويتعلل في تسويفه بعلل واهية غير مبررة حتى تفوته ولا يجد إليها سبيلا. فالفرص كثيرة ولكنّ الذين يعرفون أنها فرص قليل، فهم المدرّعون بالإرادة القوية والعزيمة الصادقة التي لا تعرف انثناء ولا إهمالا، أما المتسوّفون فإنهم لا يشعرون بوجودها حتى تفوت، فإذا فاتت شعروا بها وأسفوا على فواتها، وغصّوا حسرة وندامة.
إنّ المؤمن بين أزمنة ثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل؛ فالماضي قد انقضى وانفلت من بين يديه بما فيه من خير وشر، من اجتهاد وبطالة، من سعادة وشقاء. والمستقبل لا يزال بين يدي الله، لا يدري أيتمكّن منه كما تمكّن من حاضره أم لا، وَهَبْ أنه تمكّن منه فلا يعلم أينتهزه ويعمره بما يجب أن يعمر، أم ينفلت منه فارغا فيضيعه ويخسره. والحاضر هو الذي يملكه، يتصرف فيه كيف يشاء؛ فيجب أن لا يشغله إلاّ بما يبهجه ويغتبط به إذا صار ماضيا.

مَا مضَى فَاتَ والمُؤمَّل غَيبٌ         ولَكَ السّاعَةُ الّتي أَنتَ فيهَا

والمتسوّف حاد عن هذا الواجب وعكس الآية وقلب القضيّة؛ حيث اشتغل بالندم والتأسف والتحسر على ماضيه المنفلت من بين يديه، ولم يحصل منه شيئا، وبالأماني المعسولة، والرجاء الفراغ في المستقبل الغائب؛ فصار هذا الحاضر الذي يجب أن يشغل بالعمل الصالح، والسّعي النافع المجدي مشغولا بالأسف على الماضي، والرّجاء في المستقبل؛ فالحاضر سيصير ماضيا فيتأسف عليه؛ لأن تسويفه أضاعه منه ونكّـبه فيه، والمستقبل سيصير حاضرا فيتأسف فيه على ماضيه ويرجو مستقبله، ويسوّف العمل الواجب عليه فيه، فكانت أعماله لا تخرج عن دائرة التّأسّف والحزن المستمر والأماني الباطلة؛ لِيتأسّفْ، فالشّقاء ملازم له في كلّ وقت وحين مهما توالت الظروف، واختلفت الأزمان، فيكفي هذا الألم المستمر والشقاء الدائم عقابا للمفرطين المتساوفين.
فلتقف أيها المتسوّف وسط الطريق مادامت لك بقية من عمر تستدرك بها بعض ما فاتك، فتقف موقف المعتبر، موقف المتّعظ المدّكر، والْتَفِتْ إلى ماضيك، وانظر أكان عامرا بما تقتضيه الحكمة ويحتمه الواجب، أم بالراحة والبطالة، إن لم يكن بما يدنّسك ويثلم شرَفَك. فإذا كان تسويفك لا يدعك تعمل صالحا وتقضي واجبا، فاحتسب ماضيك الضائع واكتف بهذه الخسارة، ولا تضمّ إليها خسارة أخرى فتحمل كاهلك ما لا يطيق.
إنّ ماضيك قد خسرته بدون شك، وخرج من يديك بدون عوض، ولكن إن فاتك العمل فيه فلا يفوتك أن تعتبر به وتتعظ، فتحملك العبرة على اجتناب التسويف الذي كبّدكَ خسارة ماضي عمرك، وأعظمْ بها خسارة, وعلى تناول الدواء الذي يبيد هذه الآفة المهلكة، وما دواؤها إلا الحزم المتين، والعزيمة الصادقة، والإرادة القوية، والهمّة العليّة؛ فتكون قد ضحّيت بماضي عمرك وبعته مقابل هذه العبرة والموعظة التي حملتك على اجتناب الخسائر، واكتساب الأرباح، وإذا قالوا قديما "ما ضاع مال أكسبك موعظة"، فنقول اليوم "ما ضاع وقت أكسبك موعظة"!!
فاحذر من التسويف جهدك، فليس كلّ ما أمكنك عمله اليوم يمكنك غدا، وإن اعترضتك اليوم صعوبة في عمل قصدت إنجازه فستعترضك غدا صعوبات، وإن حال بينك وبينه اليوم سد واحد فستحول بينك وبينه سدود، وإن شغلك عنه شاغل فستشغلك عليه شواغل، فالزمان أبو العجائب، واللّيالي حبالى، والتاريخ أكبر شاهد وأعظم حجة.
فليستنطقه العاقل فسيلقي عليه دروسا بليغة، ولكن لا يعيها إلاّ من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

مَـنْ لَم تُفِدْه عِبرًا أيّـامُهُ        كَـانَ العَمَى أَوْلَى بِـهِ مِنَ الهدَى

 

 
< السابق   التالى >