|
من هم حماة الدين ومن هم خاذلوه (2) |
|
|
|
الكاتب/ سعيد بن بالحاج شريفي -الشيخ عدون- رحمه الله
|
|
30/05/2009 |
أيها الإنسان العاقل: إن الله لم يمنحك هذا العقل الذي هو مناط التكليف، ولم يميزك به عن الحيوان الأعجم إلا ليقيم عليك الحجة به فيما حملك من أمانة التكليف، بعد أن هداك النجدين، وبين لك الرشد من الغي، فلا تكفرن بهذه النعمة العظمى ـ نعمة العقل ـ بإهمال النظر بها، واستعمالها فيما خلقت له؛
ففي استطاعتك إذا أنت أحسنت استعمالها وأنْعمتَ النظر فيما يعرض عليك أن تُصدر حكمك صحيحا عليه بأنه حق أو باطل، نافع أو ضار، صالح أو فاسد، ثم تأخذ ـ إن رزقت التوفيق والإنصاف ـ بما يتراءى لك من حق أو نفع أو صلاح. فلا تلمسن هذا النور ـ نور العقل ـ بدنيء الأغراض، وخسير الشهوات، وظلام الأهواء؛ ولا يصدنك عن اتباع الحق والصلاح مغرض دجال، أو انتفاعي محتال، أو مفتن ضلال، فإنهم دعاة غيّ وفساد، واقفون على أبواب جهنم يلقون فيها كل من أجابهم، ولا تستصعب التمييز بين الخير والشر، والهدى والضلال، فالدين أيسر مما تظن، وقواعده أبسط مما تتوهم؛ إن هي إلا ثلاثة أمور: أمْر بان لك رشده فاتبعه، وأمْر بان لك غيّه اجتنبه، وأمْر أشكل عليك فردّه إلى الله ورسوله، وقِفْ فيه حتى يتبين لك حكمه وتعرف حقيقته. أفبعد هذا الوضوح والجلاء تنخدع لدسائس الانتفاعيين الذين يتخذونك سلّما لأغراضهم السافلة، وترتمي بين أحضان الدجاجلة الذين يلبسون الحق بالباطل؛ فيفتنونك عن دينك ويصدونك عن سبيل الله وأنت تزعم أنك عاقل مميز.
أيعجزك أن تستبين سبيل الرشد من سبيل الغي؟ وأن تفرق بين من يدعو إلى الأول ويسلكه، وبين من يدعو إلى الثاني ويعتسفه؟ أيكون الداعي إلى الكتاب والسنة وإلى تحكيمهما في كل ما أشكل على الناس من أمر الدين والدنيا، وحصر الاهتداء والاسترشاد فيهما ضالا مبتدعا، طاعنا في السلف الصالح، ويكون المُنكِر على هذا الداعي المعارض لدعوته، الساعي في إحباط عمله بطرق إجرامية، ومكائد شيطانية، هاديا مرشدا، ذائدا عن حمى السلف؟
أيكون الساعي في فتح المدارس لتعليم علوم الكتاب والسنة، وما يتصل بهما مما هو وسيلة إليهم، ولا يقوم الدين إلا به، ساعيا في إفساد الدين؟ وفي إشغال المتعلمين بما لا يعنيهم، أو بما يضرهم ولا ينفعهم؟ ويكون الساعي في إغلاق هذه المدارس باختلاق الأكاذيب والأراجيف، ووصمها وأصحابها بكل نقيصة وعار، ناصرا للدين، منجيا للأمة من الهلاك؟
أيكون المحافظون لحدود الله، الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر، العاملون للمصالح العامة، المتفانون في خدمة الأمة بأموالهم وأنفسهم مفسدين، ودعاة فتنة وشقاق؟ ويكون المنتهكون لمحارم الله، والقواعد في البيوت وأحلامها، المنزوون في دورهم أتقياء وزهادا ومصلحين؟ وهم الذين إذا التمستهم في مجالس الإصلاح والمشاريع الخيرية، فلم تسمع لهم حسيسا، ولم تر لهم أثرا، قيل لك إنهم منكوثون في بيوتهم، قد اعتزلوا الحياة لانتشار الفساد، وعموم البلاء والفتنة؛ احتفاظا بدينهم، وصونا له أن يمس بأذى. وإذا التمستهم في مجالس الشياطين المنعقدة لتدبير الفساد وبث الفتنة والشقاق، ودس الدسائس للإيقاع بالعاملين المصلحين، وجدتهم في أبرز مكان فيها، وألفيتهم قادتها وفرسانها، وخطباءها المصاقع.
وهكذا تنقلب الحقائق في نظر الكثيرين؛ فيرون النور ظلاما والظلام نورا، فيفرون من النور ولا يقعون إلا في الظلام.
يغمى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
فاربأ أيها العاقل بعقلك أن تسلبه وظيفة التمييز حتى في أمثال هذه البديهيات، فتحشر وفاقده من العجماوات في صعيد واحد، وتصبح قد سلبت نفسك باختيارك أعظم ميزة خص الله بها الإنسان وفضله بها على سائر الحيوان، واربأ بنفسك أن تنزل بها إلى هذا الحضيض السافل بانصياعك إلى هذه العصابة من قطاع الطرق، فتصبح فريسة يشبعون بها إلى لحوم الأبرياء. فاعتمد على نفسك واسترشد عقلك يهدك سواء السبيل، أخذ الله بيدك وهداك.
|