|
المتطفلون على موائد العلماء هم أصل الفساد ومنبع الشقاق |
|
|
|
الكاتب/ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدون) رحمه الله
|
|
17/05/2009 |
"المتطفلون على موائد العلماء هم أصل الفساد ومنبع الشقاق فيجب إقصاؤهم عنها وإنزالهم منازلهم"
مقال لفضيلة الشيخ عدون نشره في جريدة الأمة للشيخ أبي اليقظان في العدد: 102 من السنة الثانية، وذلك يوم الثلاثاء 01 شوال 1355هـ الموافق لـ 15 ديسمبر 1936م.
لكل مهنة أكفاء، ولكل فن رجال، ولكل ميدان فرسان، ولكل طريق في الحياة ناهجون، ولكل قضية أبو حسن، فإذا تولى كل مهنة أكفاؤها، وتصدى لكل فن رجاله، وجال في كل ميدان فرسانه، والتزم كل طريق سالكوه، واشتغل بكل قضية أبو حسنها انتظمت الأمور واستقامت، واتسقت الأحوال وتلاءمت، واتحدت المصالح وتساوقت؛ فزال التنازع والشنئان، وساد الوئام والاطمئنان، واطرد التقدم والعمران. وإذا اختلط الحابل بالنابل وتجاوز كل حدوده؛ فقعد الفلاّح على منصّة القاضي، وتطاول التاجر على مقام الإفتاء، وافتأت الجاهل على العلم، وتصدى الألكن للمحاماة والأعمى للعمليات الجراحية والمداواة، وادعى كل من هؤلاء أنه الكفء القدير والعلامة الشهير؛ فهناك الفوضى الاجتماعية وهناك الهرج والمرج والفتنة والفساد والخراب والدمار.
تصفح صفحات التاريخ في العهد الماضي منذ عُرف التاريخ، وتلفت يمينا وشمالا في الوقت الحاضر وابحث عن منشأِ الهرج ومبعث الفتن وأسباب الفساد والخراب في كل عصر؛ فإنك تجدها لا تتعدى _في الغالب_ تجاوز الحدود والتطفل والافتئات، وما أحكم الحديثين الشريفين، وأبعد مراميهما: « إنّ لكُم معَالم فانتهوا إلى مَعَالمِكم وإنَّ لكُم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم» وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذَا وُسِّد الأَمرُ لغَيرِ أهْلهِ فانتَظر السَّاعَة»(1) .
تحدث مشاكل علمية وقضايا اجتماعية واختلافات سياسية بين أفراد وجماعات، فإذا تصدى لها الأكفاء من حيث الاستعدادُ العلمي والخلقي انحلت المشاكل بسلام، وعولجت القضايا بحكمة، وارتفع الخلاف وحل الوئام، وإذا تدخلت في الحادث العناصر الطفيلية أَوْسعت شقة الخلاف، وزادت المشاكل تعقدا واشتباكا فينفجر عن فتنة تهلك الحرث والنسل وعن نار تلتهم الأخضر واليابس.
... لقد هان أمر العلم وحقر شأنه إذا كان الجاهل يستبيح حماه، والأميّ يتربع على أريكته آمرا ناهيا، والدّعي الذي لم يغش يوما مدرسة ولم يتلق درسا عن أستاذ يفتأت على مسائله التي لا يضطلع بها إلا الفطاحل الذين أفنوا أعمارهم، وأذابوا أمخاخهم، وسهروا الليالي في تحصيله واقتنائه.
إذا كان الفلاّح الذي لم يأنس طول عمره بغير دوابه ولم يعرف في حياته طريقا غير طريق ينتهي إلى حقله، والتّاجر الذي لم تألف يده غير المقصّ والذّراع، وغير الميزان والصاع، ولم يَجرِ لسانه بغير ألفاظ الثمن والمثمن والبيع والشراء، والصانع الذي لا يقع نظره طول يومه إلا على القدوم والمنشار أو على المطرقة والنار، أو ما إلى ذلك من الآلات، والطالب الذي يحفظ بعض سور القرآن أو يستظهره كله ولكن لا يتجاوز ترقوته، ولا يفهم لما يقرأ معنى، أو الذي أطلّ على بصيص من نور العلم من نافذة الكتب والمجلات والجرائد والنشريات من غير أن تسبقه ثقافة دراسية.
إذا كان هؤلاء الجهلة الأدعياء يزاحمون العلماء في مقامهم الذي قاسوا في رفعه همومًا وأهوالاً، ويتطفلون على موائدهم الفاخرة الني عجنوها بعصارة عقولهم، وأنضجوها بحرارة مُهَجهم، ويتحكّمون فيها بحسب الجهل، ويتصرّفون بمقتضى الأهواء والأغراض؛ فيحقّون ويبطلون، ويصوبون ويخطؤون، ويلعنون ويكفرون. فلتقهر المدارس، ولتنهر المشاريع العلمية، وليمت العلم وليعش الجهل، ولتفارق الحياة ذميمة، وليزر الموت حبيبا.
لماذا العناء في طلب العلم والتفاني في خدمته، والتضحية بالنفس والنفيس في سبيله إذا كان الجاهل الذي لا يعرف أنّ هناك علما يسمّى فقها، وآخر يسمى نحوا مثلاً يرتفع له في مسائل العلم صوت إزاء صوت العالم الذي قتل علمه بحثا وتحقيقا، وكانت الغاية التي يسعى للوصول إليها طول حياته يحصل عليها الجاهل من غير كدّ ولا عناء في طرفة عين؟؟ فلينعم الجاهل بجهله وليشْقَ العالم بعلمه مادامت للجاهل هذه المكانة في أمّة تُعلي من سَفُل.
أيّ فضل ينسب للعلم إذا استوى والجهل وضمهما سلك واحد؟ وأيّة مزية يمتاز بها العالم إذا كان سواء عالم وجهول؟ وأيّ طالب يبيت سهران الدجى ويظلّ عاكفا على العلم إذا كان «شهب البزاة سواء فيه والرخم؟»، وأيّ دليل يقوم وحجّة تنهض إذا تحكم الجهل وتسلطت الغباوة وضلت العقول على علم؟ وإنّ أمّة يُمثَّل فيها هذه الأدوار المخزية وتُوقَف فيها هذه المواقف الملعونة على مرأى من عقلائها ومسمع، فترتاح لمناظرها وتطمئن لمرآها، ولا تصب عليها غضبها وسخطها، ولا تثور على هؤلاء الممثلين ثورة تبقى عِبْرة الأجيال والقرون لهي أمة تستحقّ غضب الله ونقمته، ولعنة الملائكة والناس أجمعين.
فليجعل العقلاء لهذه المخزيات حدًّا، وليقف الرأي العام موقفا حازما إزاء هذه الفضائح، موقفًا يعرف هؤلاء الطفيليين أقدارهم، وينزلهم منازلهم ويقصيهم عن منازل لم يُمهروها السّهر والجدّ وهم فتيان، ولم يطل وقوفهم في الشمس وهو صغار ليطول وقوفهم في الظلّ وهم كبار، ولتبرهن الأمة عن وجودها حيّة حسّاسة بالضرب على يد هؤلاء العابثين بكرامتها، المستغلين لغفلة الغافلين فيها وسذاجتهم؛ فإنهم أصل الشّقاق وعنصر الفساد، وإنهم لا يألون الأمة خبالا مادام لهم صوت يسمع.
1 - رواه البخاري بلفظ « إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ» ك: العلم، باب: فضل العلم، ج:1، ص:21.
|