الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





زوار الموقع
يوجد الآن 22 ضيوف يتصفحون الموقع

gsi-hosted.gif

الشعور بالخطر باعث على درئه طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ سعيد بن بالحاج شريفي -الشيخ عدون- رحمه الله   
15/04/2009

dalamee.jpgمقال لفضيلة الشيخ عدون نشره في جريدة النور للشيخ أبي اليقظان، عدد: 7، السنة الأولى، بتاريخ: الثلاثاء 14 جمادى الثانية 1350هـ الموافق لـ 27 أكتوبر 1931م.

إذا أحس سالك البيداء بجيوش الظلام تقترب ومنه، وبالليل يرخي سدوله ويطبق الآفاق، ورأى المسالك تشتبه والمعالم تختفي، وشعر بالخطر الدالف إليه، التجأ إلى سراج وهاج فأشعله وبدد به تلك الظلمات وجعل ليله نهارا رأد الضحى(1) فاهتدى بنوره من شر هذا الغاسق.

وإذا أحس المريض بشدة الألم، وشعر بخطر المرض بادر بأقصى سرعة ممكنة إلى تعرف علته التي أضْنته وأنهكت قواه، وإلى استعمال كل دواء نافع، وكل وسيلة نافعة لقطع دابر العلّة مهما كلفه ذلك من مشقة وعناء، ومن بذل الرخيص والغالي، لا يفتر ولا يني أو يستريح من دائه الدويّ ومرضه الوبيل.
لكن الذي يتخبط في دياجير الظلام، ويتسكع في الظلام الدامس وهو يحسب أنه يسير في وضح النهار تحت سماء صافية الأديم، مشرقة بشمس تختال في عليائها؛ والمريض الذي أنهكه المرض، وخدر أعصاب جسمه فلم يعد يحس وجعا ولا يشعر بألم، وكان يظنّ أنه متمتع بصحة كاملة وراحة تامة يغتبطان حالهما ويستنيمان إلى ما هما فيه حتى يردا موارد الهلكة، ولا يلتجئان إلى ما يدفع عنهما الخطر المحدق بهما ضرورة، إنهما غير شاعرين به، والشعور بالخطر باعث على درئه.
هذه هي الحالة العامة التي عليها سواد الأمة الجزائرية؛ جهل مطبق سد عليها المسلك، وأمراض نفسية أنهكتها وكادت تودي بحياتها، فلم تشعر بحالتها ولم تحس مصابها بل تحسب المرض صحة وعافية، والظلام نورا وضياء، وترى الجهل علما، والجور عدلا، والظلم عطفا، والعبودية حرية، والعذاب شفقة ورحمة، شأن كل أمّة طال أمد انحطاطها وتوالت عليها ويلات ونكبات أخمدت أنفاسها وأزالت إحساسها.
قد يقال إن في هذا الحكم القاسي شططا وإفراطا، والحقيقة بعيدة عما تصف، وحالة الأمة منافية لما تقول؛ فإنا نرى فيها شعورا عاما ويقظة سارية وانتباها لما يهدد حياتها وسعيا للخلاص من أمراضها؛ فقد أصبح ضرر الجهل ومنفعة العلم عندها قضية مسلمة لا يختلف فيها اثنان. فنقول إن ذلك الشعور سطحيّ ويقظة فاترة، فكل شعور لم يكن باعثا على العمل الجدي والسعي الحثيث فليس بشعور، وكل انتباه للخطر لم تعقبه نهضة تتبعه فليس بانتباه، وكل مرض لم يبادر صاحبه إلى استئصاله بالأدوية الناجعة فغير شاعر به، وكل معرفة بمنفعة لم تكن باعثة على السعي لجلبها فهي دعوة باطلة !!!
يتضح ذلك إذا جئنا نقارن بين شعورنا بالأضرار والمنافع الأدبية ، وبين شعورنا بالمنافع والأضرار المادية.
يعاني الفلاح من الأتعاب والمشاق ما يعاني، فيتحمل صبَارَّة القر معرضا جسمه لتلقي سهام البرد القارس ينتفض انتفاضة العصفور من ألم وقعها. ويتحمل حمَارَّة القيظ والشمس تمج ريقها فوق رأسه، وسموم الهاجرة تلفح وجهه وتشوه سحنته(2) وجبينُه يرفَضُّ عرقا ويسيل؛ فيستهين بكل هذه المصاعب فيبذل في ذلك عزيزه وصحته ووقته راضيا عن حالته، مسرور القلب مرتاح الضمير؛ وما ذلك إلاّ لأنّه شعر بحاجته تلك شعورا حقيقيا، وعرف مطلوبه معرفة يقينية. يعرف أنه يطلب عزيزا به قوام حياته المادية، يرى كل جليل يبذله في سبيل الحصول عليه حقيرا، وكل غالٍ يصرفه في التماس بغيته رخيصا!
يتصدى التاجر للتجارة فيتكبد في سبيلها جم المصاعب، فيفارق أشد الناس له حبًّا ولصوقا به، ويعاني ألم الاغتراب ومضض البعاد الأمرين في القيام بهذه المهنة، فيريق لأجلها ماء وجهه أمام الزّبناء والحرفاء، ويبيت سهران الدجا متململا على فراشه من حدوث طارئ عليها، وقد يحتقر دينه العزيز في سبيلها؛ فيجود به ضنا بدانق(3) خاف انفلاته من يده، وطمعا في مثله يرجو نيله، فيحلف كاذبا ويغش ويسرق ويرابي وهو مسرور بحاله، مغتبط بمآله، مسترخص جميع ما يبذله في هذا السبيل؛ لأنه يعرف مطلوبه معرفة تامة؛ يعرف أنه يطلب درهما يشبع به نهمه، أو يسد به كوة تنفذ منها إليه ريح الفقر، أو يصبره مع أخيه حتى يكاد من صبره إياه يتمزق. ولا يقف شعور المرء عند هذا الحدّ بل يتعداه إلى بذل النفس وتضحيتها قربانا لهذه الحاجة المادية؛ فترى الجندي يركض إلى الموت ركضا حتى يأتي معركة قد شب لهيبها وحمي وطيسها فيرى الموت لامعا على بيض الصفائح ويسمعه يولول ويرن في الفضاء يتوقع نزوله عليه في كل لحظة فيقتحم هذا البحر الناري وهو ينشد مغنيا:
ومرهف سرت بين الجحفلين به          حتى ضربت وموج الموت يلتطم
فما الذي قذف به في هذا الأتون المستعر وهو الذي يتشامخ عظمة وكبرياء، ويغضب غضب النمر لخدش يصيبه أو لإشارة يرى فيها مسا لكرامته؟ أكان ذلك تبرما من الحياة وسأما من تكاليفها أم سيق إلى الميدان جبرا واقتيد إليه كرها؟ كلاّ ليس ذا ولا ذاك إنما هو شعور بالحاجة. والتشبّع بمعرفة المطلوب يورد صاحبه حتفه وهو راض مسرور آمن مطمئن, عرف أنه يطلب بهذه التضحية جاها أو سلطانا، أو مرضات أمير ليعطف عليه ويفوز بتقبيل راحته أو غير ذلك مما يكتسب به جاها كاذبا وسلطة موهومة.
ذلك مبلغ شعورنا بمنفعة المادة وخطرها، وذلك هو أثره الذي نراه في حياتنا المادية، تضحيةٌ وبذلٌ واقتحامُ المصاعب وخوضُ المهالك وتكالبٌ وتعاركٌ، وقد يعقب كل ذلك الإخفاق والحرمان، وقد لا يئوب المغترب أو يئوب القارظان(4). فهل كان شعورنا بالأدبيات وإحساسنا بها مثل شعورنا بالماديات! كلا ولا مثل معشارها فأين ادعاؤنا اليقظة والانتباه والعمل والسعي ؟؟
يتبع...

1- هو وقت ارتفاع الشمس عند الخمس الأول من النهار وانبساط ضوئها وذلك شباب النهار.

2- السَّحنة: لين البشرة، والهيأة واللون.

3- الدانق: سدس الدرهم والدينار.

4- القارظان: هما رجلان أحدهما يَقدُم بن عَنَزَة، والآخر عامر بن هُميْم بن يَقْدم بن عَنَزَة، خرجا يجنيان القَرَظ فلم يرجعا، فضرب بهما المثل الآتي: "لا يكون ذلك حتى يؤوب القارظان".

 
< السابق   التالى >