|
كيف يفهمون الانتقاد النزيه (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) |
|
|
|
الكاتب/ سعيد بن بالحاج شريفي -الشيخ عدون- رحمه الله
|
|
11/04/2009 |
|
مقال لفضيلة الشيخ عدون نشره في مجلة النور للشيخ أبي اليقظان، عدد: 77، السنة الثانية، وذلك يوم الثلاثاء 29 ذو الحجة 1351هـ الموافق لـ 25 أفريل 1933م.
لا يجهل أحد نشر الأمراض النفسية فينا وانتشار الأدواء الاجتماعية، ومبلغ الفساد الناشئ من هذه الأمراض حتى كاد يسلبنا صفات الإنسان التي نمتاز بها عن سائر المخلوقات، ويخرجنا عن دائرة الإنسانية. ولا يخفى أنه لا يمكن تلافي هذا الفساد إلا بالنصح والإرشاد...
تناولنا في العدد الماضي البحث في الانتقاد النزيه وكيف يتعدى حدوده مرضى العقول ويسيئون استعماله، إذ يتخذون منه وسيلة لنيل مئاربهم الشخصية وأداة لإذاية خصومهم والنكاية بأعدائهم وإلحاق الضرر بهم حتى صار بالنسبة إليهم رذيلة ينجم عنها من الشرور ما ينجم عن أعظم الرذائل.
واليوم نبين كيف يفهمون الانتقاد النزيه وكيف يتلقونه وكيف يتصرفون في تأويله وتوجيهه حسبما تمليه عليهم عقولهم الخاضعة لأهوائهم عسى أن يحسنوا فهم الانتقاد على حقيقته ويتلقوه بصدور رحبة ونفوس مطمئنة فتحصل النتيجة المطلوبة منه.
لا يجهل أحد نشر الأمراض النفسية فينا وانتشار الأدواء الاجتماعية، ومبلغ الفساد الناشئ من هذه الأمراض حتى كاد يسلبنا صفات الإنسان التي نمتاز بها عن سائر المخلوقات، ويخرجنا عن دائرة الإنسانية. ولا يخفى أنه لا يمكن تلافي هذا الفساد إلا بالنصح والإرشاد والانتقاد الذي هو عبارة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين هما من أعظم أركان الدين، فمن قام بهذه الوظيفة الشريفة وجب أن يقابل بالشكر والامتنان كما يقابل القائم بأعظم واجب يوجبه الدين والعمل ويقتضيه العمران مادام لم يخرج لم يخرج في وظيفته عن دائرة الانتقاد المشروع، إذ ليس له غرض والحالة هذه سوى إحقاق الحق وإبطال الباطل وتقويم الاعوجاج وليس له باعث سوى حب الخير لبني الإنسان وإسقاط تبعة المسؤولية الملقاة على كل مكلف، وتأدية واجب يأثم بتركه إثما كبيرا، ومن السفه والحمق بعد هذا أن يقوم سقيم الفهم مريض النفس بالإنكار عليه والتسفيه عوض أن يشكر صنيعه ويعترف له بالجميل ويشجعه على المضي في سبيله، وبالكيد له وإضراره عوض أن يساعده وينصره. وأشد أولئك حماقة من يستند في أفكاره على ما يبدو له من أن الانتقاد موجه إليه وأنه المقصود به دون سواه، وأن المنتقِد لم يقصد بكلامه إلا فضيحته وإبداء عواره انتقاما وتشفيا؛ بينما كان المنتقِد شريفا المقصد نزيه الغرض، لم يتناول في كلامه شخصا معينا، وليس له مقصد سوء نحو واحد من الناس وقد يكون هذا الأحمق المنكر بعيدا عن ذهنه لم يخطر له بالبال فيأبى إلا أن ينصب نفسه باختياره هدفا للانتقاد فيوجه سهامه إلى نفسه حتى إذا أحس بحرارتها جاء يرعد ويبرق، وينفض مذروبه(1 )، ونهض مشمرا للإذابة والانتقام بكل وسيلة يستطيعها، وما أجدر مثل هذا أن يكون حيث وضع نفسه، وأن يكون أحوج الناس إلى المعالجة؛ إذ لو لم يكن موصوفا بالعيب الذي يبحث فيه المنتقد ولم يستشعره من نفسه لما خطر بباله أنه معني ومقصود، ولما بدا منه إنكار وامتعاض مما يعترف كل عاقل بأنه إرشاد وعمل صالح يستوجب عليه صاحبه الجزاء الأوفى ولو لم يكن فيه من عيب سوى هذا الإنكار لكفى به إثما وعيبا عظيما تلزم معالجته وما أجدره بأن يعود على نفسه باللائمة ويعالج عيوبها ويقلع عما يشينها عوض أن يشتغل بلوم وعتاب من لا يستحق سوى الإكرام والإنعام.
ولا عجب من حماقة هؤلاء الحمقى إذ يخافون من الفضيحة ويحاولون ستر عيوبهم بالإنكار على من ينتقد تلك العيوب من حيث هي عيوب يجب تشخيصها ومعالجتها، فيشهرون أنفسهم لمن لا يعرفهم ويعلنون للملإ أنهم هم المقصودون وأنهم هم المتصفون بالعيوب التي يصفها المنتقد. فلو كان لهم عقل يهديهم إلى الرشد وأرادوا ستر عيوبهم لما نبسوا ببنت شفة، ولتواروا عن الأعين حتى لا يطلع أحد عليها ولأسرعوا في تطهير أنفسهم منها شاكرين فضل من نبههم إليها وأرشدهم إلى طرق إصلاحها ولكن أنى لهم الاهتداء والرشاد وأكثرهم يرون أنفسهم أنزه من أن تتصف بعيب وأعز من أن بالتشريح مبضع طبيب، وأعلى من أن تتنازل لقبول نصيحة مرشد أو هداية هاد.
إن هؤلاء الذين ينكرون على المنتقدين انتقاداتهم بدعوى أنهم يعنونهم ويفضحونهم إنما يريدون سد باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإبطال أعظم ركن في الدين؛ إذ لا ُيتصور أن يعمد المنتقد إلى عيب لا وجود له أو رذيلة يتحاشاها الناس فيتكلم عنها ويحذر منها، وإنما ينتقد العيوب الفاشية بين الناس والرذائل التي يقترفها الأرذلون؛ فإذا تناول البحث عن داء الحسد مثلا وذكر أوصاف الحاسدين وسوء أعمالهم الناتجة عن الحسد، أو تكلم عن الكبر وأعمال المتكبرين، أو الغرور والمغرورين أو الخيانة والخونة أو الزناة وشربة الخمر أو المرابين، أو جاء كل من يتصف بوصف من هذه الأوصاف ينكر على المنتقد انتقاده محتجا بأنه المقصود بذلك كان معنى كلام كل منكر هكذا: لا تتكلم في هذا العيب ولا تتعرض لهذه الرذيلة لأنني موصوف بذلك وأنك إذا تكلمت فيه كنت قد استبحت عرضي وأظهرت عيوبي للناس فتكون النتيجة حسب رأي هذا المأفون( 2 ) وجوب الكفّ عن الكلام في كل عيب أو رذيلة يتصف بهما أحد من الناس؛ وتكون نتيجة النتيجة أن ينتقد الناس _ إذا لزم الانتقاد _ أعمال الجن والحيوانات العجماء مادام الإنسان المريض أو المجرم يسوءه الانتقاد ويسخط منه؛ ونتيجة النتيجتين إبطال فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ونتيجة النتائج الكفر الصريح والعياذ بالله.
فلتربأ أيها العاقل بنفسك من أن توردها موارد العطب والهلاك، واحذر من أن تضم إلى عيوبك رذيلة الكبر وإنكار الحق التي هي من أفحش العيوب في الإنسان؛ فتكون ممن إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فينطبق عليه وعيده ولبئس مثوى المتكبرين.
وإذا رأيت أو سمعت وصف عيب أو منكر ورأيت أنه ينطبق عليك فاسع في تطهير نفسك منه، وتبرئة ساحتك من عاره، وأحسن الظن بالمنتقِد وأحمل كلامه على أنبل المقاصد؛ فإنك إذا قابلته والإنكار والإذاية كنت قد أضررت نفسك ونفعته من حيث قصدت نفع نفسك وإضراره، وكنت قد ضيعت واجب القبول حيث قام هو بواجب الإرشاد، وكنت قد فضحت نفسك من حيث حاولت سترها فتبوء بالخسارتين ويبوء بالحسنيين.
1- المذروب الرديء من الكلام، ورجل مذروب اللسان أي شتام فاحش.
2- ضعيف العقل والرأي.
|