الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





كيف ينتقدون بين الجدران [وفي ظلام الليل البهيم!] طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ سعيد بن بالحاج شريفي -الشيخ عدون- رحمه الله   
08/04/2009

nakdee.jpgمقال لفضيلة الشيخ عدون نشره في جريدة النور للشيخ أبي اليقظان في العدد: 76 من السنة الثانية وذلك يوم: الثلاثاء 22 ذو الحجة 1351هـ الموافق لـ 18 أفريل 1933م.
الانتقاد الذي هو عبارة عن تزييف الباطل في الأقوال والأفعال، وتوضيح الخطأ فيهما هو أعظم مقوّم لأوَد الإنسان، وأكبر رادع له عن الخطأ، وأقوى حامل له على التثبت والاستقامة. فهو ضروري من ضروريات حياة الفرد والجماعة، وركنٌ من أركانها مادام الإنسان عرضة للهفوات والزّلاّت

 من طبعه الخطأ والنسيان، شأنُه الإجرام والعصيان. هو النبراس لمدلهمّات المشاكل، والدليل المرشد في مهامه( 1) الجهالات، والنّار التي تستخلص خالص التبر من زائفه، فلا تستقيم حياة ولا ينتظم عمران إلا به، فإذا استعمله المنتقد في حقيقته ولم يَحِد به عن طريقته جاء بهذه المقاصد العالية، وعاد بما يرجى منه من فضل كبير، وخير عميم؛ وإن لم يسلك به مسلكه المشروع، وحاد به عن سبيله واتخذه وسيلة لسافل الأغراض أصبح آفة من أعظم الآفات، وجاء بأوخم العواقب؛ شأن كل قوة خرجت عن مجراها، وتعددت حدودها.
ونحن إذا تتبعنا مسالك المنتقدين في انتقاداتهم عندنا نجدها تفضي غالبا إلى نزاع وشقاق، وتنتهي إلى فتن كبرى؛ ذلك لأنهم لا ينتقدون بدافع  الغيرة على الصلاح العام، ولأجل تزييف الباطل، وإقامة الحق كما هو الغاية من الانتقاد الشريف؛ فلو كانت تلك غايتهم لسلكوا إليه نهجه القويم، ولدخلوا إليه من بابه الذي لا يجهلونه، والذي يدخلونه  أحيانا إذا لم يَحُلْ عنه مانع شخصي، وإنما ينتقدون بباعث الحسد وخدمة الأغراض الشخصية؛ فيتخذون الانتقاد وسيلة للتّشفي والانتقام، وذريعة لإظهار العيوب ونهش الأعراض، وسبيلاً لتحقير العاملين المتفوقين عليهم، والحطّ من أقدارهم ومنازلهم من قلوب الأمّة التي تجلّهم وتعتبرهم، طمعا منهم بهذه الرسائل الساقطة أن ينزلوا منازلهم، ويتبوءوا مقاعدهم، ويحتكروا لأنفسهم العظمة والجاه، ولا يجنون من مساعيهم هذه إلا مقتا وعارا، ولبئس جني المغرضين.
يجاهر مصلحٌ برأي سديد غير مسبوق إليه، أو يصرح بحقّ كان مداسا، أو يقوم بعمل صالح غير مألوف، أو تنهض جماعة بمشروع عام لفائدة الجميع فيتصدى خَدَمَة الأغراض للاستغلال من هذا الحادث فيقومون يولولون وبيدَيْهم قميص عثمان ويذرفون دموع التماسيح على ما حلّ بالدّين من انتهاك، وما نزل بالناس من فساد، ويرفعون عقائرهم بالاستنجاد والاستغاثة، ويطلقون ألسنتهم بالسوء وهجر القول فيمن ظهر بهذا الأمر أو صرح بهذا القول، وليست له سابقة سوء من قبل، ولم يعرف بسوى الصلاح والفضل؛ يستبيحون منه عرضه وينتهكون حرمته _ وهو أخوهم المسلم _ بغير مبرر شرعي سوى أنه جاء بما لم يألفوه، وإن كان هو الحق الصريح، أو لم تكن لهم يد فيه وهم يرون أنهم أحق به وأهله، أو لم يصدر منهم في أول الأمر وإن شوركوا فيه بعد، أو لم يكن من ذلك شيء سوى ما ركز في طبائعهم من النفور من كل خير والتّأذي من كل رائحة طيبة.
لو قصدوا من انتقاداتهم المحافظةَ على الدين واستفزتهم الغيرة على الصلاح لعزّ عليهم هذا الدين الذين يتظاهرون بالمحافظة عليه أن يدوسوه بأنفسهم، ويستبيحوه خدمة لأغراضهم  فيهون عليهم التنازل عنها، والتسليم فيها احتفاظا بالدين، ولتوقّفوا عن محاولاتهم حين يرون الفساد ناجما من جرائها، ولسلكوا إلى الانتقاد سبيلا حكيما يرتضيه الدين، ويتحققون فيه النجاح، ويأمنون فيه من كل فساد، وإلا فكيف يوفّق عاقل بين دعواهم الغيرة على الدين وبين مساعيهم التي تجر الفساد ويأباها الدين ويحرّمها الشرع، وأنّى يكون للدين اعتبارٌ وحرمةٌ لدى هؤلاء وأغراضهم التي تنافيه كل المنافاة يحترمونها ويعتبرونها فوق الدين وفوق كل شيء، أم كيف يغارون على الإصلاح وهم لا يفهمون منه إلا ما كان موافقا لأهوائهم وشهواتهم، وكل ما سوى ذلك فساد يجب زواله بغير مفاهمة ولا مراجعة وإن كان هو عين الحق والصواب.
إن من واجب من يتصدى للانتقاد أن يتجرد عن كل غرض شخصي، ويدفع الأمر الذي يراه مخالفا للصواب بالتي هي أحسن كما أمر الله. فإذا أبدى رأيه فيه عرضه بحكمة ونزاهة وتعقل على من صدر منه رأسا، سالكا مسلك المرشد النصوح، مقتصرا في انتقاده على تزييف الباطل وإظهار الحق في ذلك الأمر خاصة؛ فإذا سلك هذا الطريق النزيه رحب به المنتقد عليه، وفتح له صدره لانتقاده وقبله بكل ممنونية؛ فإن كان حقا أخذ به شاكرا ما أسدى إليه من معروف، وإن كان باطلا ردّه برفق مبينا وجه خطئه فيه، شاكرا إخلاصه وغيرته.
ذلك هو السبيل الأقوم الذي يفضي إلى السلامة، ويفي بغرض من ينتقد لذات الحق. ولكنّ هؤلاء يتنكبون هذا المَهْيَع( 2) ولا يسلكونه لأنه طريق من يلتمس الحق وهم لا يتلمسونه ولا يعرجون عليه مادامت أهواؤهم في واد والحق في واد، إنما غرضهم إظهار شخصيتهم بإسقاط من يظهر بالحق. ولا أدلّ على طواياهم من جمودهم على إنكارهم إذ لا يقبلون فيه أدنى مفاهمة ولو كان ظاهر البطلان، ولا يجسرون على الظهور به أمام من ينتقدونهم خوف الفضيحة، وإذا التمس هؤلاء منهم المفاهمة وإبداء رأيهم فيما ذهبوا إليه لاذوا بالفرار وأغلقوا أمام وجوههم الأبواب وانزووا في كسر بيوتهم مصرّين على إنكارهم.
فأجدر بحق يضن به على الناس ولا يجهر به المرء إلا مع من يشاكله أو تحت الجدران أن يكون باطلا مردودا، وأخلق بحَمَلة هذا النوع من الحق أن يتواروا عن أعين الناس ولا يتكلموا إلا همسا، ويختفوا مع حقهم الذي ارتضوه لأنفسهم، وأبوا من إظهاره لطالبيه، وكفى به بذلك فضيحة وعارا، وكفى به برهانا قاطعا على إفلاسهم من الحق، وأخسس بقوم قصرت أيديهم عن تناول المكرمات، وانحطت هممهم عن ارتقاء المعالي؛ فحاولوا التشرف بإهانة الشرفاء والتعالي بتحقير العالين، وكفى بهذه المحاولات خزيا وإثما مبينًا.

1- مهامه: جمع مهمه وهي البلدة البعيدة أو الأرض القفر.

2- الطريق الواضح البين.

 
< السابق   التالى >