الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





الحياة السافلة وكيف التوقي منها ! طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ سعيد بن بالحاج شريفي -الشيخ عدون- رحمه الله   
06/04/2009

flower.jpgمقال لفضيلة الشيخ عدون رحمه الله نشره في جريدة النور للشيخ أبي اليقظان في عدد 6 من السنة الأولى, وذلك يوم الثلاثاء 07 جمادى الثانية 1350هـ الموافق لـ 20 أكتوبر 1931م
حياة الإنسان تتكيّف حسب تصرفه وتقديره واختياره، فهو الذي يكيف حياته بهمّته وطموحه على أرقى كمال، وأعظم مثال؛ فيكون منبعا لكلّ خير, ومصدرا لكل فضيلة. وهو الذي ينحطّ بها إلى أدنى دركة السّفالة بإيثاره الدّناءة والسّقوط, فيكون بؤرة للفساد, ومعطنا للخبائث, وبين هذا وذاك تختلف مراتب النّاس في الحياة ما بين كامل وأكمل, وناقص وأنقص


منح الله للإنسان عقلا يستضيء به في قطعه مراحل الحياة الحالكة، فيسلك منها سبيل الحياة الفاضلة الذي يتفّقُ ومواهبه واستعداده، ويمتاز به عن سائر المخلوقات التي تشاركه في الحياة, وتعيش معه. لهذا الغرض السّامي أوجده الله, وميّـزه بالعقل، ومنح له الاختيار المطلق, ليتبوأ من الحياة أيّ مقعد شاء.
فمن النّاس من أدرك الغرض الذي لأجله خلق, ولأجله يعيش, وعرف حقيقته, فاتخذ ذلك مثله الأعلى في الحياة، فسلك السبل الموصلة إليه حتى بلغ من الكمال والفضل أرقى الدرجات. ومنهم من جهل حقيقته, وجهل الحكمة التي لأجلها خُلق ومُنح العقل والاختيار, ولأجلها كُرّم وفُضل, فظن أنّه وجد في الحياة ليعيش ويأكل كما تأكل الأنعام، ويتمتّع -كما تتمتع- باللّذة الفانية، والشهوة المنقطعة، ولم ير لنفسه ميزة ترفعه عنهم, فحشر نفسه معها, وسلك مسلكها, وسار سيرتها. ذلك هو الإنسان السافل, وذلك الذي يحيا حياة سافلة, ويعيش عيشة الأنعام.
أيّ فرق بينه وبينها إذا كان همّه من الحياة الأكل والشرب, والتّنعم بالملذّات, وكان لا يُعير المصالح العامّة، وشؤون أمته ووطنه أدنى اهتمام, أو بماذا يمتاز عنها إذا اقتصر في حياته على خدمة حظوظه, وتشييد بُنيته, وأمسك يده عن مساعدة أبناء جنسه, ورفع الشقاء عنهم, وضنّ بماله عـن أن يتّخذ به مكرمة, أو يدفع به مظلمة. إذا كانت حياة هذا النّوع من الإنسان لا تعدو هذه التوافه التّي هي من مميزات  الحيوان, وهمّته لا تترفع عن هذا الحضيض, فالحيوان الأعجم أرفع منه مستوى وأرقى حالا؛ فإن لبعض الحيوانات صفات فاضلة, وأعمالا نافعة تخدم بها صالح النوع الإنساني, ولا تكلّفه إلا يسيرا، فتستغني بأكل أبسط الأشياء وأحقرها, وتعوّض الإنسان أضعاف ما تستهلك بكثير, فهي تأخذ واحدا وتعطي عشرة إلى خمسين إلى مائة، في حين أنّ الإنسان السّافل لا يقنع إلا بالأطعمة الطيّبة, والمشروبات اللذيذة، واللباس الفاخر إلى غير ذلك من الكماليات التي تستهلك الأموال الطائلة، وتستغرق الثروات الواسعة, ثم لا يؤدي إلى المجتمع مقابل ما يستهلكه ولو دانقا, وقد لا يقنع بتجشيمه هذه الخسائر المادية فحسب, بل يجشّمه خسائر أدبية هي أدهى وأنكى, فيعيث في الأرض فسادا، ويركب متن رأسه يخبّ ويضع في حماة الجرائم والموبقات. فخسائر هذا السّافل مزدوجة وخطبه فادح, فهو يأخذ مائة ولا يعطي شيئا، وبعبارة أصحّ يأخذ نعيما ويعطي جحيما, فضرره غير مأمون ونفعه غير مأمول وأما الحيوان فضرره مأمون ونفعه مضمون، وأدنى منفعته أنه يباع بثمن إذا استُغني عنه, والسافل لا تجد من يعطيك فيه دانقا.
فقارن أيّها العاقل بين هذا الحيوان وذلك الإنسان, واستعرض في مخيلتك ما مرّ لك, وتوغل في التفكير في هذا الموضوع يتضح لك جليّا قوله تعالى: « إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا». أيّ عاقل له نصيب من التّمييز يرضى لنفسه هذه السفالة، ويروق له أن يشارك حيوانا في صفة من صفاته فضلا عن مشاركته في أغلب صفاته التي هي من خصوصيته ومميزاته، اللّهم إلا إذا كان ذا نفس بهيمية فاقد الإدراك, فمثل هذا يجب أن تُسلب منه حريته وإرادته؛ لأنه لا يحسن استثمارها, ويُستخدمَ فيما تُستخدمُ فيه الحيوانات من حمل الأثقال, وجرها, وامتطاء ظهورها, لاجتياب الفلا, وقطع المسافات الشاسعة. إنّ هذا لعمر الحق لهو  الجزاء العادل, وإلا فما الذي ميّزه عن الحيوان وحياتهما متشاكلة.
أيها الإنسان العاقل إنك لم تخلق لمثل هذه الحياة السافلة. إنّ ربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك, وأنعم عليك بهذه الصورة الجميلة, والخلق السوي, لم يمنحك ذلك إلا لتكون ممتازا عن غيرك من المخلوقات في الصفات والأعمال, كما ميزك عنها في الصورة والخَلْق.
خُلقت أيّها الإنسان لأن تكون إنسانا جامعا لصفات الإنسانية, رجلاً مستكملا لصفات الرجولية؛ فيجب عليك أن تعرف هذه الحقيقة معرفة تحملك على الاعتزاز بنفسك, وتقديرها حق قدرها, فتتحاشى عن صفات العجماوات, وتتجافى عن  كل أمر يشينك ويلصق بك شبهاتها, وأن تحمل نفسك على معالي الأمور, وتترفع عن سفاسفها. يجب عليك أن تحيا حياة مجد وشرف، حياة عامّة, فتصرف همّك واهتمامك إلى حالة أمّتك، وتشتغل بالشؤون العامة أكثر مما تشتغل بشؤونك الخاصة، فإن الاهتمام بالخصوصيات والإعراض عن العموميات من صفات العجماوات، و أنت لست بأعجم. يجب عليك أن تكون وقْفًا لأمتك، وملكا لها، تعمل طوع أمرها وحسب إشارتها، فلا يتعدّى عملك جلب الخير لها ودفع الضر عنها. إن اكتسبت مالا فَلِتعُود عليها به، أو علما فلخدمتها, أو جاها فللذّود عنها؛ لأنك لم تحصل هذه المواهب إلا من عرق جبينها. وإذا كنت ممن يفقد هذه المواهب أو بعضها فلتسع جهدك لاستحصالها, ولا تكن غايتك من ذلك إلا إسعاد أمّتك بأقصى قوة تستطيعها، فإذا سرت على هذا المنهاج, وسلكت هذا السبيل الشريف, واعتبرت نفسك عبدا لأمّتك تحيى لأجلها وتموت، ونسيت حظوظ نفسك إزاء حظوظ أمّتك كنت إنسانا حقيقيّا, متحلّيا بصفات الإنسانية, ورجلا كاملا بكل ما في معنى الرجولية من صفة فاضلة, وخلق كريم, وإن أبت نفسك هذه الدّرجة العليّة، وأبت إلا الإسفاف في حضيض العجماوات, والانخراط في سلكها فلك ما تختار وترضى, ولكن لا تغضب إذا قيل لك يا حيوان, ويا دني, ويا ساقط, فإنك إذا أهنت نفسك ورضيت لها بهذه المنزلة الساقطة لا تجد في الدنيا عاقلا يكرمك ويعدّك في عداد العقلاء.
إذا ما أهـان امرؤ نفسـه          فـلا أكـرم الله من يكرمـه

 

 
< السابق   التالى >