الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





إذا لم يكن الإصلاح لدفع الإفساد فمتى يكون ولماذا يجب إذن؟ طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ سعيد بن بالحاج شريفي -الشيخ عدون- رحمه الله   
05/04/2009

annacer.jpgمقال للشيخ عدون -رحمه الله-  نشره في جريدة النور في العدد 57 من السنة الثانية، وذلك يوم الثلاثاء 15 رجب 1351 الموافق لـ 15 نوفمبر 1932.

يقولون لا معنى للإصلاح في هذا الوقت الذي عمّ فيه الفساد، وتغلغل في كلّ شيءٍ من مقوّمات الحياة حتى لم يبق شيء صالح في الدّنيا! فيقال لهم ما معنى الإصلاح إذا كان الصلاح عامًّا في كل شيء؟ أليس ذلك تحصيلا للحاصل؟ وما هو عمل المصلح إذا لم يكن فساد يصلحه، وما هي وظيفة الرّسل والأنبياء وخلفاءهم من العلماء؟ وهل هم إلاّ مصلحون لفساد النّاس؟.

تعرضنا في الفصل السابق لشيء من الشبهات التي يتخذها دعاة الهزيمة والانزواء كحجج تبرر موفقهم السلبي إزاء الإصلاح، وتسقط منهم التكاليف التي فرضها عليهم دينهم الحنيف وأوجبها وطنهم المنكود.
وإننا في هذا الفصل نتعرض لها بالتفنيد والنقض؛ حتى  لا تجد في سوق البله والغفلة رواجا. وما دامت هذه الأسواق عامرة في أوساطنا، وهذه البضائع المزجاة رائجة فيها؛ فإننا _والأسف ملأ الجوانح_ مضطرون إلى الخضوع لحكم الوسط، وإلى الخوض في بدهيات كانت من مناقشات القرون الوسطى، وما حيلتنا؟ وما كان رائجا في تلك العصور المظلمة من أفكار سقيمة، ونظريّات سخيفة أصبحت تردّد صداه عقول تعيش في القرن العشرين، رغم ما يكتنفها من عبر وآيات يؤمن بها الحيوان الأعجم فضلا عن النّاطق. فلا يسعنا بعد هذا إلا أن ننزل إلى هذا السوق مرغمين فنساجل هذه العقول الحديث، ملتمسين من قرائنا الأفاضل أن ينشدوا معنا
أَلاَ قبّحَ الله الضّرورة إنّها        تُكلّف أَعْلَى الخَلق أَدنَى الخَلاَئقِ
يقولون لا معنى للإصلاح في هذا الوقت الذي عمّ فيه الفساد، وتغلغل في كلّ شيءٍ من مقوّمات الحياة حتى لم يبق شيء صالح في الدّنيا! فيقال لهم ما معنى الإصلاح إذا كان الصلاح عامًّا في كل شيء؟ أليس ذلك تحصيلا للحاصل؟ وما هو عمل المصلح إذا لم يكن فساد يصلحه، وما هي وظيفة الرّسل والأنبياء وخلفاءهم من العلماء؟ وهل هم إلاّ مصلحون لفساد النّاس. ولئن كان الإصلاح يسقط إذا عمّ الفساد وفشا، وكان من العبث محاولته إذا عمّ الصلاح فقد أصبحت هذه اللّفظة عاطلة بدون مدلول، وبقيت مهملة بدون معنى، ووجب أن تمحى مادة ص ل ح من معاجم اللغات وبطون القواميس، وإذا أسقطت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي هي ركن من أعظم أركان الدّين والعمران، والتي لا يمكن أن تتلخص عند إرادة اقتصارها إلا في كلمة الإصلاح. وأيّ فهم يستسيغ هذه الشبهة وعلى أيّ عقل تروّج؟
وإذا قالوا نحن معترفون بوجوب ذلك متى تيسّرت الأسباب وتوفرت؛ ولكنا آيسون من توفرها، ومن نيل بغيتنا لاستشراء الفساد وتمكنه، ولضعفنا من مقاومته. قلنا لهم: وهل كان داؤكم غير الإياس الذي أَوْجدته في نفوسكم غيرُ الأوهام الغالبة عليكم، تلك العلّة التي ما تمكنت من نفس إنسان إلا تسلّطت على مشاعره وحواسه، وأرته القريب بعيدا، والموجود مفقودا والممكن مستحيلا.
 ليس هذا العصر بأول عصر ظهر فيه الفساد واشتد، وليس هذا الفساد أشدَّ من فساد أعصر مضت، كعصر الجاهلية البالغ غاية ليس وراءها وراء, يوم كان العرب يعكفون على عبادة ما ينحتون من الأصنام، ويئدون بناتهم، ولا تخمد نار حروبهم ولا يكتسبون إلا من طريق الغارة والنهب والسلب، ومع ذلك لم يلبث أن تحوّل فسادهم إلى صلاح في وقت قصير، لما عالجه الرّسول صلى الله عليه وسلم وقاومه مع صحابته رضوان الله عليهم على تغلغله وتمكنه من نفوسهم وتأصّله. قاوموه وقضوا عليه وهم ضعاف، لا يملكون من أسباب المقاومة غير قوة النفوس، ومتانة الإيمان، وصدق العزائم. فهل كانوا ينالون مأربا لو تركوا لليأس منفذا يتسرّب منه إلى نفوسهم مع ما يحيط بهم من أسبابه وموجباته؟
وليس انحطاطنا بأحطّ دركة من انحطاط الأمم الغربية في القرون الوسطى وقبلها، يوم كانت خاضعة لجبروت الكنيسة، لا يرتفع عن ظهرها سوط العذاب، يوم كانت تعاقب بالإحراق والقتل الشنيع كلَّ من ينطق بكلمة الإصلاح أو يبدي رأيا علميا. وإنها مع هذا الانحطاط الذي صار مضرب الأمثال لم تيأس من إصلاح حالتها، وتغيير ما بها من فساد؛ فما زالت تدأب وتجاهد حتى نالت مبتغاها بفضل المصلحين من أبنائها؛ فأصبحت متمتّعة بسيادة العالم، تتصرف في الضعفاء أمثالنا تصرف السيد في مملوكه. فهل بلغنا اليوم على ما بنا من ضعف وانحطاط مبلغ انحطاطهم في القرون الوسطى؟ أو هل نزلنا إلى دركات الجاهلية الأولى؟ كلاّ ولا قربنا.
ثم إنه ليس من واجبنا أن نحصل على الغاية المنشودة من الإصلاح بسهولة، أو في وقت قصير، حتى إذا رأيناها سهلة المنال مضينا في العمل, وإذا بدت لنا بعيدة المدى، أو مستحيلة الإدراك توقفنا عن السعي؛ بل علينا أن نأتي بما هو من وظيفتنا وفي طوقنا، وهو اتخاذ الأسباب وإعداد الوسائل والسعي, تاركين النجاح بعد ذلك لإرادة الله؛ فمن حصّله منّا _وذلك مقتضى سنة الله فيمن لم يفرط في الأسباب_ فقد نال غايته وجنى ما غرس، ومن لم تساعده المقادير ولم ينجح في كل ما طلب فقد ينجح في بعضه، وإذا لم ينل شيئا فقد قام بواجبه، وارتفعت عنه المسؤولية وأعذر من نفسه «ومبلغ نفس عذرها مثل منجح». ثم إنّنا نسائل هؤلاء المتبجحين بفساد الوقت حتى كان ذلك موجبا لترك الإصلاح: أي عصر من العصور تمحّض للإصلاح واقتنع أبناؤه به ولم يشتكوه؟
في كل عصر أباطيل يدان بها               فهل تفرد يوما بالهدى جيل
فهل اختصّ الفساد بعصركم هذا دون سائر العصور حتى تتبرموا منه وتيأسوا من سلامه؟ أليس الفساد من طبيعة العالَم حتى أنه لا يصلح إلا بما فيه من فساد، وقد حكى الله تعالى لنا على لسان الملائكة طبيعة البشر في الأرض قبل خلقه بقوله: « أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء». وما أدراك ما لقيَت منهم الأرضُ من عتوٍّ وفسادٍ كبير من ذلك الوقت إلى مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ماذا كان في القرن الأول الذي هو خير القرون, وما فيه من فتن وحروب تشيب لها الولدان؟ إذ لم يمض على موته صلى الله عليه وسلم ربع قرن حتى بادر الصحابة الذين هم صفوة الخلق إلى امتشاق الحسام وتحكيمه في رقاب بعضهم بعضا. هذه عائشة أمّ المؤمنين تقول: هذه أثواب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تبل حتى بليت سنته وهي التي أنشدت:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم             وبقيت في خلف كجلد الأجرب
فكم أرهقت من نفوس، وسالت من دماء في أيام الدّار والجمل وصفين والنهروان وكربلاء والحرة، وفي حرم الله حروب طاحنة متسلسلة الحوادث، متصلة الحلقات، لم ينطف لهيبها طيلة القرن الأول وبعده. هذا كلّه في نوع واحد من أنواع الفساد. دع بقية أنواعه التي لا تحصى. كلّ ذلك لم يُثن من عزم المصلحين الصادقين، ولم يفل من حدهم في وقت من الأوقات، بل لا يزدادون بتوالي البلايا عليهم إلا مضاءً في العزيمة، ونشاطا في العمل، وثباتا على المبدإ. فمنهم من كان النّصر حليفه, ومنه من صُد عنه، فاستأنف العمل محتسبا أجره صابرا. ومنهم من مضى شهيد مبدئه ، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله, وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين.

 
< السابق   التالى >