الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





جمعية العلماء المسلمين بين الأمس واليوم طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ عدون سعيد بن بالحاج شريفي رحمه الله   
23/02/2009
oulama.jpg, جمعية العلماء المسلمين، الشيخ عدون، أبو اليقظان، الإصلاح، المصلحون، الوحدة، النورمقال للشيخ عدون -رحمه الله-نشره في جريدة النور للشيخ أبي اليقظان -رحمه الله-،السنة الأولى عدد: 36 وذلك بتاريخ الثلاثاء 01 صفر 1351 الموافق لـ 07 جوان 1932.
قد علم القرّاء مما أعلنت به الجمعية, ومما نشرته الجرائد المعتبرة ما جرى في الاجتماعات الأخيرة, وما أسفرت عنه من نصر عزيز لرجال الإصلاح، وإننا نلقي اليوم على المسألة نظرة عامة تزيد الذين لم يشاهدوها استنارة وإيضاحا وبسطا وتريهم كيف يقذف الحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق وكيف ينصر الله من ينصره.

كان موعد الاجتماع العمومي يوم الإثنين 17 محرم وكان النادي في ذلك اليوم غاصا بالوفود المتقاطرة من كل جهة غير أن من أجال النظر في ذلك الجمع الحاشد استشف من بعض الوجوه ريبة تنذر بشر مستطير. وما كاد الرئيس الجليل يختتم خطابه الافتتاحي حتى انبعث لسان القوم ينفث بمعارضته ما يلبد به جوّ الصفاء، ويفوه بما ينسف به حصن الجمعية الحصين، وما كاد يتم معارضته حتى ارتفعت أصوات من جوانب النوادي تصوب رأيه، وثارت من هؤلاء ضوضاء عمت القاعة، وفوضى لا تصدر إلا من الغوغاء والرعاع؛ مما يدل على أن هناك مؤامرة دبرت بليل, حاولوا بها القضاء على مؤسسة هي روح الأمة الجزائرية، ولولا ما أوتي رئيس الجمعية من اللطافة والوداعة, والتوءدة والحلم, فقابل الشدة باللين, والخفة بالحكمة, والتهور بالرفق, والسيئة والحسنة, وأعرض عن لغو الجاهلين, وهراء المهوسين, لوقعت الجمعية فيما نصبوه لها من المكائد.
واشتدت معارضتهم في العشية, وازداد صخبهم وضجيجهم، وثارت ثائرتهم حتى فقدوا رشدهم, أو كادوا فلما رأى الرئيس وخامة العاقبة أعلن رسميا بارتفاع الجلسة, فصاحوا مستبشرين: إنّ الجمعية قد انحلت, والتحقت بالعدم, فأكد الرئيس ارتفاع الجلسة مؤقتا, فخرج المشاغبون بقوة البوليس المحافظة للأمن العام.
هذا ما وقع يوم الإثنين. وأما يوم الثلثاء وما بعده حيث صفا النّادي من كل مشاغب؛ فقد نفّذت الجمعية برامجها كما أعلنت بها من تقييد الناخبين, وإجراء عمليات الانتخاب في جو هادئ, مشبع بروح الصفاء والأخوة الصادقة, ساد فيه النّظام التّام, وتجلّت فيه الرّوح العلمية الإصلاحية, وظهرت الجمعية في مظهرها اللائق بسمعتها وكرامتها؛ فأتمّـت أعمالها حسبما يرضاه العلم, وتقتضيه الحكمة والنظام؛ حيث اكتظت قاعة النادي بالمجتمعين حتى لم يبق مقعد لقاعد. وفي عشيّة الأربعاء كانت حفلة افتتاح الجمعية للسنة الثانية؛ فكانت حفلة باهرة, افتتحها الرئيس بخطاب بليغ, بيّن فيه موقف الجمعية في الحال، وما تنويه من جلائل الأعمال في المآل؛ فكان خطابه السحر الحلال, يستثير مكامن الشعور ويبهر العقول، يتكلّم ووجهه يكاد يقطر من ماء البشر والابتهاج بما أحرزت عليه الجمعية من نصر عزيز على الكائدين. وتداول منبر الخطابة بعده خطباء مبرزون، وهم المشائخ: أبو يعلى الزواوي, أبو اليقظان، العربي التبسي، الأمين العمودي، الطرابلسي، بلقاسم اللموشي، السعيد الصائغي، الطيب العقبي، وكل خطاباتهم تدور حول الوحدة والتضامن في سبيل خدمة الإسلام, والأخذ بيد الأمة الجزائرية من طريق هذه الجمعية المؤسَّسة لهذا الغرض، ثم ألقى الشيخ محمد العيد قصيدته المنشورة في العدد الماضي، فأطرب الحاضرين وأرقصهم, واستعادوه أكثر أبياتها, ثم جوّدَ الطرابلسي آيات من القرآن, ثم العقبي سورتي الفيل وقريش, وانفضت الحفلة ونشوتها آخذة بالألباب سارية في الأعصاب.
في ليلة الجمعة أدب رجال النادي الكرماء مأدبة تكريمية، حضرها أعضاء لجنة الإدارة, ومَنْ وفد إلى الجمعية من العلماء, وكثير من أعيان الجزائر المعتبرين, وبَعدَ تناول ما لذّ وطاب من أنواع الأطعمة, قام السّيد محمد آل مرابط فألقى خطابا على لسان رجال النادي, رحب فيه بالحاضرين، وشكر سعيهم نحو الجمعية, فأجابه الرئيس عبد الحميد على لسان المدعوين شاكرا أريحيتهم وكرمهم الفياض, منوّها بما قاموا به نحو الجمعية من فتح ناديهم أمامها, فكانوا هم السبب في حياتها, مستنهضا للهمم الفاترة. وتلاه كلٌّ من المشائخ أبو يعلى الزواوي، العربي التبسي، الأمين العمودي، أبو اليقظان، الصديق بن عليوة علواش, باسعيد عدون, الزاهري بقصيدة, محمد العيد بقصيدة, الطيب العقبي، عبابسة, الطرابلسي بتجويد القرآن الكريم، العقبي مثله، الطيب القماري مثله، وكان كل خطيب يتناول ناحية من نواحي الإصلاح, وكلّهم يضرب على الوتر الحساس في الأمة: الوحدة الإسلامية, ضم الجهود في سبيل إنهاض الإسلام والأمة الجزائرية، فلا تسمع إلا كلمات: الوحدة, الدين, الإسلام, العلم, العلماء, المصلحون.. الخ. وحضر المأدبة نحو مائة تقريبا, فكانت ليلة زهراء لم يسبق لها مثيل في تاريخ الجزائر, وكانت فاتحة عصر جديد لحياة الجزائر المسلمة. هي نهضة جدية تسترجع منها مجدها الغابر, وتعيد تاريخها المجيد, فلتحيا الأمة الجزائرية في دائرة دينها القويم, وليحيا علماؤها المخلصون.
هذه هي جمعية العلماء المسلمين بين الأمس واليوم، خرجت مما كاد لها أعداؤها ظافرة, عزيزة الجانب, رفيعة الرأس, ثابتة القدم, موفورة الكرامة, وكذلك أعداء الإصلاح لا تزيده مناهضتهم وكيدهم له إلا ثباتا ورسوخا وتقدما, كعود زاده الإحراق طيبا. وقد شاء الله تعالى أن ينفي عن هذه الجمعية الطاهرة كلّ طفيلي وطفيلية, وتمت مشيئة الله فخدموا الجمعية أجلّ خدمة من حيث أرادوا القضاء عليها, وأحسنوا إليها, وأساؤوا إلى أنفسهم من حيث إنهم يريدون عكس ذلك, فقعدوا منها مقعد القصيّ. فأما الزبد فيذهب جفاء, وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

 
< السابق   التالى >