|
إذا لم يكن الإصلاح لدفع الفساد |
|
|
|
الكاتب/ الشيخ عدون سعيد بن بالحاج شريفي -رحمه الله-
|
|
13/12/2008 |
|
فمتى يكون ولماذا يجب إذا؟ حلقة (4)
مقال لفضيلة الشيخ عدون سعيد شريفي – رحمه الله - نشره بجريدة النور للشيخ إبراهيم أبي اليقظان – رحمه الله -، السنة الثانية عدد 64، وذلك بتاريخ: الثلاثاء 13 رمضان 1351هـ / 10 جانفي 1933م ... يقول الشيخ عدون رحمه الله:
دفع شبه المثبطين: يقولون إننا في آخر الزمان، وإن ما نرى من انتشار الفساد وفشو المنكرات هو من علامات الساعة التي لا تلبث أن تفاجئنا في القريب العاجل، فسعْينا وراء غاية بعيدة المدى -ونحن نعلم أن الساعة تباغتنا في الخطوات الأولى منها- عبث وسفه، فلا يسعنا إذًا إلا أن نستسلم لأمر الله وننتظر الساعة...
فنقول لهم لو علمتم أنه لم يقعد بالمسلمين في القرون الأخيرة عن اقتفاء آثار أسلافهم، وما عاقهم عن اللحوق بشأوهم، وتحصيل ما كان لهم من عظمة ومجد وسيادة؛ إلا تعلقهم بأمثال هذه السخافات وتمكنها من نفوسهم، لأقصرتم أنتم عنها ولكان لكم رأي في الحياة غير هذا الرأي الآفن، تلك هي السخافات التي ضيقت عليهم رحاب الآمال الفسيحة، فقصرت هممهم عن التعلق بالمعالي وسامي الغايات، وهي التي صرفت أفكارهم عن التفكير في مستقبلهم فلم يعودوا يهتمون بعاقبة، وهي التي قيدتهم عن السعي لاكتساب العظائم، حيث لم يبق لهم أمل في بلوغ أية غاية فاقتنعوا من العيش بالدون، واقتصروا من الحياة على ما يقيم أصلابهم في يومهم الحاضر، منتظرين قيام الساعة بين عشية أو ضحاها، والساعة تسخر منهم وتضحك من عقولهم.
مرت أعوام تلو أعوام وقرون تلو قرون والحالة هي هي، ليل داج ونهار ساج وسماء ذات أبراج ونجوم تزهر، وأبحار تزخر وعمران ينتشر ومدنيات تزدهر، والمسلمون في غمرة ساهون، مشغولون بانتظار الساعة كأنهم خلقوا لانتظارها.
إن علم الساعة عند الله لا يجليها لوفتها إلا هو، لم يطلع عليها ملكا مقربا ولا نبيئا مرسلا، فضلا عن غيرهما، فكل تحديد لوقتها سواء أكان باليوم أو بالسنة أو بالقرن إنما هو تطاول وافتئات على ما استأثر الله بعلمه، وكل من تناول ذلك ببحث أو تكهن أو تخرص كان خارقا لسياج الأدب مع الله، متجاسرا على الوقوع في حمى الله الذي حده لنفسه، فليتق الله الذين يخوضون في أمر الساعة ويحددون أوقاتا لقيامها ما أنزل الله بها من سلطان، وليشتغلوا بما يعنيهم ففيه شغل شاغل عن التفكير في أحوال الساعة، ليس لنا من أمرها إلا أن نؤمن بقيامها وما عدا ذلك فهو من خصائص الله تعالى، فالساعة الواحدة والقرن وعشرات القرون وآلافها سواء بالنسبة لمتعلق علمنا، فليست الساعة الواحدة أو القرن الواحد -إذا قلنا بذلك- بأقرب للحقيقة من آلاف القرون ولا العكس، ولم تكن النصوص القطعية التي نصت على قربها لتزيل من غموضنا شيئا إذ أننا لا نتوصل إلى تقدير هذا ... [عبارة غير مفهومة] ما مضى من عمر الدنيا، وهذا أشد تغلغلا في الغموض، ومن يديرنا لعل عمر الدنيا ألف قرن أو مائة ألف قرن؟ فإذا فرضنا الأول وكان ما مضى منها تسعمائة قرن والباقي مائة قرن؛ كانت الدنيا في آخر أيامها وكانت الساعة قريبة جدا، وهكذا النسبة إذا قدرنا الثاني.
لم يبق لكم بعد هذا أي عذر في الاستناد على ما تتوهمون من تفسير مدة القرب بسنين معدودة، حتى أنزلتم هذا الوهم منزلة الحقيقة، فاعتمدتم عليها في ترك واجبات وفروض تعلقت بكم، فإن ما شغلت به ذمتكم من واجبات دينية ووطنية لا تقوم بإسقاطه عنكم أمثال هذه الشبهات والأوهام التي تعلقتم بها.
أعيدوا نظرا في كتاب الله تعالى وفي هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وسنته وفي تاريخ أصحابه من بعده رضوان الله عليهم، تروا في كتاب الله ما لا يعد من صريح الآيات التي تستحثكم على القيام بنصر الله والدفاع عن دينه والعمل لإعلاء كلمته بكل وسيلة تستطيعونها، وتجدوا في سنة وهدي رسوله الذي أمرنا بالتأسي به واتباع سنته ما يملأ قلوبكم إيمانا ويقينا، ويقوي عزائمكم ويبعثكم على التضحية في سبيل إحياء ما اندثر من معالم سنته، وتقفوا من تاريخ حياة أصحابه وما لاقوا في سبيل الله من استبسال وتفان -مع ضعفهم وفقدان الوسائل- ما تندهشون به إعجابا بقوة نفوسهم وصدق إيمانهم، وما يقذف في قلوبكم نور الآمال، وما تستضيئون به في حياتكم المظلمة، ويفك عنكم قيود الإياس التي سلبتكم كل حركة، ويفتح أمامكم سبل الهداية والرشد، إن في ذلك لذكرى لمذكر ونورا لمستبصر.
إن الله قد فتح لكم مواهب كثيرة وقوى عظيمة، فاستعملوها فيما أمر الله أن تستعمل فيه، ولا تحرموا أنفسكم وأمتكم منها؛ فتكفروا نعمة الله وتحاسبوا عنها حسابا عسيرا، أغيثوا بها دين الله الذي يستغيث بكم مما حل به من استباحة وانتهاك، وقد أشفى على الاندراس، وأنجدوا وطنكم الذي يستنجد بكم لتخففوا عنه ما نزل به من ويلات ونكبات، وقد أنهكه المهلكان الجهل والفقر، ونعيذكم بالله أن تكونوا من الذين أنذروا بطشة الله فتماروا بالنذر.
الآن وقد انقطعت عنكم كل حجة كنتم تعتمدون عليها، وزالت كل شبهة كانت عالقة بكم، فلا يسعكم إلا أن تبلوا نداء الواجب، وتضموا جهودكم إلى جهود العاملين في حقل الدين والوطن، حتى تغيثوا المستغيث وتنجدوا المستنجد، وتكون لهما من تضامنكم وتكاتفكم قوة ترد عنها عادية المعتدين، وتدفع عنها فساد المفسدين، واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.
|