الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





إذا لم يكن الإصلاح لدفع الفساد طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ عدون سعيد بن بالحاج شريفي -رحمه الله-   
30/11/2008

فمتى يكون؟ ولماذا يجب إذا؟ - حلقة (2)

jfiy.jpgjbiubh.jpgمقال لفضيلة الشيخ عدون سعيد شريفي - رحمه الله - نشره بجريدة النور للشيخ إبراهيم أبي اليقظان - رحمه الله -، السنة الثانية عدد 62، وذلك بتاريخ: الثلاثاء 21 شعبان 1351هـ / 20 ديسمبر 1932م ... يقول الشيخ عدون رحمه الله:

الإصلاح المنشود هو ما يشمل الديني والدنيوي، إذ كل واحد من هذين متوقف على إصلاح الآخر، فالدين لا يصلح إلا بإصلاح الدنيا، والدنيا لا تصلح إلا بإصلاح الدين، فباجتماعهما وتقدمهما متكاتفين تحصل السعادة المطلوبة ...

وإن افترقا أسرع إليهما الخراب واضمحلا معا، فالذين يقتصرون في الإصلاح على ناحية واحدة ويغفلون الأخرى قد ضلوا وما كانوا مهتدين.
وما أوتي المسلمون وسلبوا ما كانوا عليه من عز وسيادة إلا لما  فرقوا بين دينهم ودنياهم فأصبحوا طوائف: طائفة زهدت في الدنيا التي هي مطية المؤمن بها يبلغ الآخرة، وانزوت عن الناس مشتغلة بطلب القوت وما يدفع عن نفسها غائلة الجوع، عاكفة على العبادات الشخصية، زاعمة أن الدين مقصور عليها وما سوى ذلك دنيا مذمومة يجب الزهد فيها والابتعاد عنها، فاتخذت ذلك مذهبا فدعت إليه وأنكرت على من خالفها في مسلكها.
وطائفة زهدت في دينها وأنكرت أمر آخرتها التي هي المقصودة بالذات، فأقبلت على دنياها فهامت في حبها فاتخذتها مقصدا لا وسيلة، فجعلت تصلحها وترقعها بتمزيق دينها حتى بلغ التطرف والغلو منهم إلى الازدراء بالدين وجحوده.
وطائفة ثالثة زهدت فيهما ونبذتهما معا، فلا دنيا أحرزت لتنال بها عزا في الحياة وسعادة في الآخرة، ولا على دنيا حصلت، فكان نصيبها الفراغ والبطالة وأوهام تعلقت بها وخرافات اتخذتها مصائد، وكل هذه الطوائف ضالة مضلة ليست من الإسلام في شيء، وليس لها من سعادة الدارين وعزهما نصيب.
فإذا تحقق هذا – وهو من البداهة ما لا يحتاج معها إلى تحقيق - علما أن دعاة الهزيمة والانزواء مخطئون أفدح الخطأ في حكمهم على استحالة سيادة الإسلام والمسلمين ونجاح المصلحين في دعوتهم، قياسا على الأقطار الإسلامية التي حاولت الإصلاح وقتا طويلا مثل مصر، إذ ظلت نصف قرن تجاهد وتطالب بحقوقها مع تفوقها في القوتين المادية والأدبية فلم تنل بغيتها ولم تظفر بمرغوب.
إن قياسا مثل هذا سداه الجهل المركب ولحمته الغباوة – ليزيدنا اطلاعا على مبلغ مداركهم، وقصر مدى أنظارهم، يتضح ذلك بهذا البيان:
    1- إن الإصلاح الذي ندعو إليه ليس مقصورا على ناحية واحدة كما هو الشأن في مصر، حيث أنها أفرغت جهدها في الإصلاح السياسي ولم تنشغل بغيره اشتغالا ظاهر الأثر، إلا في المدة الأخيرة لما نجم فيها قرن الإلحاد والزيغ، أما وقد اشتغلت به فقد لاح أثره –طبعا في مصر والشرق- وما انتشار جمعيات الشبان المسلمين بها وانخذال الملاحدة أمامها إلا أثر بارز لذلك، وحيا الله الفتح ومديره ومناصريه.
    2- على أنها -مع إغفالها الإصلاح الديني تقريبا- لم يذهب سعيها فيما اشتغلت به سدى، فقد تقدمت به خطوات وجنت منه ثمرات وليس بينها وبين إدراك بغيتها تماما إلا قاب قوسين أو أدنى، فلو اهتمت بإصلاح  دينها مثل اهتمامها بإصلاح سياستها لكان النجاح حليفها منذ أمد بعيد، ولأصبحت ذات سيادة مطلقة، موفورة الكرامة مرعية الجانب، وقل مثل ذلك في غيرها من الأمم التي تحذو حذوها وتطمح إلى مطمحها.
    3- لسنا نحاول بالإصلاح الملك والسيادة حتى نحتاج في طلبهما إلى قوة عتيدة ليست في استطاعتنا، وحتى نقاس بمصر وغيرها ممن تحاول ذلك، وإنما غرضنا إصلاح ديننا بإزالة ما أدخل فيه من بدع وضلالات عاقت عن الاهتداء بنوره، وتغيير منكرات يقترفها المنتسبون إليه؛ لم تزل سبب انحطاطنا وتدهورنا وسبب نقمة  الله وسخطه العاجليْن ﴿وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةِم بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]، وإصلاح دنيانا بالتماس وسائل العيش ومرافق الحياة من أبوابها المشروعة، مقتفين في ذلك آثار الأمم الحية التي فاقت في هذا المضمار، آخذين من مدنيتهم مطائبها، حتى نزاحمهم في حياتهم ونضرب معهم بسهمنا، وحتى نتزود من ذلك بقوة مادية نتوصل بها إلى إصلاح ديننا كما نريد.
    4- إن الوقت الطويل الذي يستلزمه قطع المسافة البعيدة التي بيننا وبين غايتنا المنشودة لا يكون عائقا لنا عن المسير، ولا موجبا للتوقف، فمادمنا نسير فالوصول محقق، ثم إما أن نصلها بأنفسنا أو يصلها أبناؤنا أو أحفادنا من بعدنا، فلو علمنا أن المسافة تقطع في طريق قرنين كاملين، لوجب علينا السير ليصل إلى الغاية أحفادنا بعد قرنين، حتى لا ينعوا علينا تفريطنا في حقوقهم نحونا وعدم اهتمامنا بمستقبلهم، وحتى لا نستوجب لعنتهم ونحن في مراقدنا الأخيرة، كما استوجبها منا أسلافنا الذين غيروا ما بأنفسهم، وضيعوا الأمانة التي أودعها أسلافهم بأيديهم ليؤدوها إلينا، فجنوا على أنفسهم وعلينا، وكانوا سببا لشقاوتنا وتعاستنا.
ولم يكن تقدم هذه الأمم الظافرة، وإحرازها على هذه القوة الهائلة، وتسلطها على الأمم الضعيفة إلا نتيجة مساعي متطاولة أتت عليها قرون وجهود متسلسلة، توارثتها أجيال بعد أجيال، أبَعْد هذا تكون هذه المدة القصيرة التي قضتها الأمم الإسلامية اليوم في الإصلاح بالغةً من الطول حدًّا يحمل على الإياس من النجاح، ويوجب التوقف والاستسلام؟
    5- إن النجاح كما قدمنا ليس شرطا في وجوب السعي حتى نقيس أمرنا بالأقطار التي لم يقدر لها النجاح بعد، وإنما الشرط المطلوب الأخذ بالأسباب ومن جملتها الإخلاص والصدق والسعي المستمر، والنجاح بيد الله، على أن وعد الله بالنصر لمن نصره لا يتخلف، ثم إن كل خطوة مشيناها تعد في الحقيقة نجاحا؛ إذ أن لها ثمرتها ولها أثرها وأي أثر، فإذا لم يحصل الكل فالبعض حاصل، فالنجاح مضمون على كل حال.
ولو التزم الناس بهذا الشرط واشترطوه في جميع أعمالهم لهلك الحرث والنسل، ولأسرع الخراب إلى الدنيا، فما لهؤلاء لا يلتزمون بهذه الشروط في أعمالهم الفردية كالزراعة والتجارة مثلا؛ وهم يرون توالي الإخفاق فيها ولم يمنعهم ذلك عن الاستمرار في العمل وتكبد الخسائر، ولنفرض المستحيل فنتشاءم بالإخفاق مع المتشائمين؛ فأين ثواب الله الذي أعده الله في الآخرة للعاملين المخلصين؟ أليس هو أولى بالطلب قبل كل شيء وأحق شيء يلتمس ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَيَجْزِيَنَّ الذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(96) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَىا وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنـَّهُ, حَيَاةً طَيـِّبـَةً وَلَنَجْزِيَنـَّهُمُ, أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾ [النحل].

                                                                                                             يتبع                                                        

 

 

 

 
< السابق   التالى >