الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





اعتراف بالجميل للأمة بمناسبة دخولها في السنة الثالثة طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ عدون رحمه الله   
19/11/2008

مقال لفضيلة الشيخ عدون سعيد شريفي – رحمه الله - نشره بجريدة الأمة، للشيخ إبراهيم أبي اليقظان – رحمه الله -، السنة الثانية عدد 101، وذلك بتاريخ: الثلاثاء 23 رمضان 1355هـ / 08 ديسمبر 1936م ... يقول الشيخ عدون رحمه الله:

تبتدئ " الأمة "  الغراء -بهذا العدد- السير في مرحلتها الثالثة أرسخ ما تكون قدما، وأعز ما تكون جانبا وأوفر ما تكون كرامة وأنقى ما تكون ساحة، بعد أن قطعت مرحلتين كانت فيهما مثال النزاهة والاستقامة والثبات والجهاد المتواصل...

تمرست بها الآفات فقاومتها، وتحككت بها النكبات فتجلدت لها، وعركتها الحوادث فصمدت لها، وجارت عليها الظروف فصاولتها، وقست عليها الأزمات فطاولتها وصابرتها، فم تزدها هذه العوامل -المتمالئة على إخفات صوتها وخنق أنفاسها- إلا صلابة في الحق وثباتا على المبدأ، ولم تزدها إلا إقداما واندفاعا .
تلك -أيتها الأمة- صحيفة " الأمة " التي أرتك دروسا عملية في الاستقامة والثبات والدأب والصبر والجهاد والكفاح؛ تطبيقا للدروس النظرية التي تفيض بها أنهرها لذة للشاربين، وتتفتح بها أكمامها بهجة للناظرين .
استعرضي تاريخها وتاريخ زميلاتها - فالأمة هي " وادي ميزاب " وتوابعها، و" وادي ميزاب "  وتوابعها هي " الأمة "، فالروح واحد والجسم واحد والأسماء تبدلت بتبدل الثياب لا غير، وأي شخص لا تتبدل ثيابه ؟
تصفحي تاريخ حياتها منذ عشر سنين _ تريْ كيف يكون الثبات وكيف تشتد العزيمة وكيف تتصلب الإرادة وكيف يستمر الكفاح، وكيف تتجلى الاستماتة والتفاني، وتتحقق أن ما كان لله دام واتصل، وأن من ينصر الله ينصره، وأن من جاهد في الله يهديه سبيله وأن:
قوة الله إن تولت ضعيفا               تعبت في مرامه الأقوياء
تلك _ أيها القارئ الكريم _ هي " الأمة " التي تتصفحها الآن بين يديك _ وقد تصفحتها من قبل مئات المرات _ تغذي بها عقلك وتؤنس بها وحشتك وتزيل بها حيرتك وتنير بها طريقك وتحاضر بها مجالسيك وتسامر بها مناديك وتباهي بها مفاخريك وتكبت بها معاديك وتلقم بها المعاندين حجرا .
فكم أرشدت من عقول وهذبت من نفوس، وأزالت من أسقام وبددت من أوهام، وكم سقت من مُلْتَجٍ إلى مستوصفها مستشفيا -عسلا مصفى فيه شفاء لما في الصدور- وجرَّعت المعاندين والمكابرين والعائثين في الأرض فسادا -كؤوس صاب، وصبت عليهم صوت عذاب ﴿ فَأَمَّا الذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمُ, إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(124) وَأَمَّا الذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا اِلَىا رِجْسِهِمْ ﴾ -التوبة: 124،125-
تلك _ أيها الناس _ هي الأمة التي لا يجهل مكانتها إلا فاقد الإحساس ميت الشعور، ولا ينكر فضلها إلا حسود حقود، ولا يماري في مزاياها إلا مكابر متعنت، ولا يجحد أثرها الكبير في خدمة الأمة إلا كفور لئيم، ومتى اعترف اللئيم بفضل أو أقر بجميل، والفضل لا يعترف به إلا أهل الفضل .
وأنت خبير _ أيها القارئ _ أن " الأمة " التي عرض عليك هذا القلم الفاتر عرضا وجيزا _ شيئا من مزاياها وأوصافها التي تعرف منها أضعاف ذلك إن كنت من المنصفين ومن أهل الفضل _ ولا أخالك إلا منهم _ ليست هي هذه الصحيفة التي تراها بين يديك متوجة بهذا الاسم، مرصعة بهذه العناوين، مدبجة بهذه السطور، في صورة تبهج الخواطر وهيئة تسر الناظرين، إنما هي ذلك النور الهدوي الذي يشع من بين سطورها، وتلك الروح السامية التي تفيض على أنهرها، وتلك الشخصية البارزة التي تطالعك في كل عدد منها، وتجابهك بروعتها كلما مددت يدك إلى تناوله، تلك هي روح وشخصية الشيخ أبي اليقظان التي لا تغيب إلا على أكمه لا يعرف القمر.
تلك _ أيها القارئ المنصف _ هي " الأمة " التي تعرف فيها هذه الشخصية، وتتحقق فيها تلك المزايا، وتعترف لها بتلك الأيادي البيضاء التي أسدتها إلى الأمة جمعاء، بما فيها من كافري النعمة ومنكري الجميل، فها هي تخطو خطوتها الأولى في هذه المرحلة الثالثة، فجدد لها العهد على الوفاء، وواثقها على العمل للخير العام إن كنت تريد لنفسك مكانة سامية ولأمتك حياة شريفة ولدينك نصرا عزيزا.
كن من أنصارها العاملين في وضح النهار بكل نشاط، الصادعين بالحق في أي موقف وقفوه من غير موارية ولا مداجاة، فإنك بالانتماء إليها ونصرة مبادئها والعمل بمقتضى إرشاداتها تأوي إلى ركن شديد وتلتجئ إلى عز مكين، وترفع لنفسك ذكرا عطرا، وتوفر لها كرامة لا تقدر بقيمة، وتخدم فوق ذلك بلادك وأمتك.
ولا يخطرن ببالك أنها تتشرف بانتمائك إليها وتعتز بنصرتك لها مهما كنت شريفا عزيزا كلا، فالأمر بالعكس لأنها تمثل الحق وتعتز بتمثيله، وما كان المعتز بالحق يوما بحاجة إلى أنصار يعتز بهم وأتباع يشرفونه ويرفعون من شأنه، وإنما المحتاج إلى ذلك هو المنتمى إليه والناصر له، لأنه منتم إلى الحق ناصر للحق.
ولا يغرنك من ترى حولك من الناكرين لجميلها الغاضِّين من شأنها، فإنهم لا يستوحون إلا نفوسا مريضة ولا يصدرون إلا عن أغراض، ولا ينطقون إلا عن أهواء ﴿ وَإِن تُطِعَ اَكْثَرَ مَن فِي الاَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَّـتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمُ, إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ -الأنعام: 116- وهؤلاء لا يجرؤون على نبزها والطعن فيها إلا إذا خلوا إلى أوليائهم الذين يصدرون وإياهم عن مورد واحد، أما إذا التفت عليهم المحافل ودارت عليهم أسود الحق فإنهم يتصاغرون ويتضاءلون خجلا وافتضاحا، ويتسللون منهم لواذا، اللهم إلا من بلغ بهم خبث النفس وفساد الطوية حدًّا أفقداهم الحياء، وجفَّفا من نفوسهم دماء الكرامة.
تلك كلمة قصيرة قضيت بها واجب الاعتراف بالجميل للأمة بمناسبة دخولها في سنتها الثالثة، راجيا من القارئ أن يتقبلها بإخلاص، وأن يكون من المعترفين بالجميل، القائمين بواجب هذا الاعتراف حسب استطاعته واستعداده.
وبعد فإننا نهنئ الأمة بثباتها في ميدان الإصلاح على توالي العواصف والنكبات، وانتصارها على أعدائها الكائدين لها والقاعدين بكل صراط يوعدون ويصدون عن سبيل الله من آمن به، ونرجو لها فوق ذلك مظهرا، ونهنئ قراءها الكرام الذين يعرفون الفضل لأهل الفضل، بثباتهم وتأييدهم للحق ونصرتهم لذويه، ونرجو منهم مزيد النشاط والإقدام حتى نتعاون وإياهم على نسف معاقل الباطل ورفع صروح الحق وإعلاء كلمة الله .

 
< السابق   التالى >