الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





ذكرى الفيلسوف الكبير الشيخ إسماعيل الجيطالي (2) طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ عدون رحمه الله   
13/11/2008

 الاحتفال بختم كتابه ( القناطر ) في مسجد القرارة

مقال لفضيلة الشيخ عدون سعيد شريفي - رحمه الله - نشره بجريدة الأمة، للشيخ إبراهيم أبي اليقظان - رحمه الله -، السنة الرابعة عدد 163، وذلك بتاريخ: الثلاثاء 17 صفر 1357هـ / 19 أفريل 1938م ... يقول الشيخ عدون عن الشيخ الجيطالي - في الحلقة الثانية من هذا المقال -:

اسمه ومنشأه :
هو أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي نسبةً إلى جيطال - قرية من قرى جبل نفوسة- لا نعلم على وجه التحقيق تاريخ ولادته إذ ليس لدينا المواد التي نعتمد عليها في هذا الشأن، لضياع معظم كتب الإباضية التي تعد بالآلاف أثناء الفتن المظلمة التي شب لهيبها في عصور متوالية ...

وآخرها فتنة جبل نفوسة بعد الحرب الكبرى، تلك الفتنة التي كان من جملة ضحاياها مكتبة علامة الجبل: الشيخ عبد الله بن يحي الباروني، التي جمعت من نفائس الكتب المخطوطة ما تفرّق في غيرها، فلم يبق اليوم من هذه الثروة الأدبية إلا أسماؤها المحفوظة في بطون الكتب الباقية.
وليس بين أيدينا ما نعتمد عليه في ترجمة الشيخ إسماعيل سوى كتاب السِّيَر للشيخ أحمد بن سعيد الشَّماخي، وهي مختصرة فيه كسائر تراجمه، ولم يتعرض -رحمه الله- لتاريخ ولادته، وكذلك أكثر العظماء في القديم تُعرف وفاتهم لكونها بعد نباهتهم، وتجهل ولادتهم لكونها قبل ذلك، فإنهم يولدون عاديين ويموتون ممتازين، أما وفاته فذكر أنها كانت سنة 750هـ، فتكون ولادته ونشأته وحياته الدراسية أو جلها في الخمسين الثانية من القرن السابع، وحياته العلمية الزاخرة بجلائل الأعمال من تدريس وتأليف في النصف الأول من القرن الثامن .
أخذ العلم عن العلامة الشيخ أبي موسى عيسى بن عيسى الترميسي؛ الذي تخرج عنه كثير من المشايخ كان لهم صيت بعيد وآثار خالدة، منهم أبو ساكن عامر بن علي الشماخي صاحب كتاب الإيضاح؛ الذي عليه الاعتماد في الفتوى عند أهل المغرب من أصحابنا، والذي اختصر منه العلامة الشيخ عبد العزيز -صاحب النيل- معظم كتابه، ومنهم العلامة الشيخ أبو عزيز بن إبراهيم صاحب اللقط المشهور بـ ( مسائل منثورة في الفقه ).

علمــه :
يدل على غزارة علمه واتساع مداركه وسعة اطلاعه تآليفه البديعة في فنون كثيرة؛ التي سنذكر شيئا منها فيما بعد، كان كثير الحفظ للمتون فنية وأدبية، فمن محفوظاته كتاب العدل والإنصاف في أصول الفقه للعلامة الكبير الرياضي الشهير الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، وجمل الزجاج ومقامات الحريري، وذكر الشماخي منها الأشعار الستة، ولا نعلم مقصوده من الأشعار الستة، ولعله يريد المعلقات السبع، فإن كان ذلك وإلا فالمرجو من إخواننا القراء أن يرشدونا عليها ولهم الشكر والفضل، وما كان حفظه لذلك سطحيا كما نراه من بعض الحفظة اليوم بل كان حفظ فقه وفهم ونفوذ إلى أعماق المعاني، ويظهر أثر هذا الحفظ جليا في أسلوبه البليغ الذي يلتزمه في كتاباته، فهي كتابة أديب مارس كلام العرب البليغ وتمكّن من ناصيته -لا كتابة فقيه من الفقهاء الذين لم يأخذوا من فنون العربية وآدابها بحظ وافر- كما يظهر ذلك في كثرة استشهاده في كل مناسبة بهذا الكلام الذي رصّع به - منثورا ومنظوما- كتابه القناطر .
 

رأيه في العقل : 
إن قضية مزية العقل وتقديسه مما ينبغي أن لا يجادل فيها إلا المجانين، ولكن هؤلاء الجامدين الذين فقدوا عقولهم ينكرون هذه المزية، مما دعانا إلى أن ندمغهم برأي الشيخ فيه: فهو حر العقل مستقل الفكر مستنير البصيرة، يقدس العقل إلى حد بعيد ويرى له المقام الأسمى والمنـزلة العظمى، ولا أدل على ذلك من تآليفه التي تتجلى فيها الأوصاف في أجل مظهر ناهيك أنه قدم بين يدي القنطرة الأولى من كتابه -وهي قنطرة العلم- مقدمة تشتمل على فصول في فضل العقل وشرفه وحقيقته وأقسامه، وتفنن في الاستشهاد لأقوال الحكماء والعلماء في كل عصر ومن كل أمة ما شاء له سعة اطلاعه وإحاطته، ثم يجعله -في موضع آخر من الكتاب- هو والشرع شيئين متلازمين، لا يستطيع الإنسان أن يقطع مفازة الحياة وينال السعادتين إلا بهما معًا، يقول فيه: (... وخلق العقل ليدفع أعظم الضررين بأدناهما، ويقدِّم أعلى النفعين على أدناهما، فالشرع هو المعرف للضرر والنفع، والعقل كالبصر لا يرى النفع والضرر إلا في نور الشرع، كما أن البصر لا يرى الحسن والقبيح إلا في نور ...).
تأمَّل كيف نزّل الشّرع منزلة النور الذي تتجلى به حقائق الأشياء، وحصر رؤية هذا النور في العقل الذي نزّله منزلة البصر، فإذا تعطّلت موهبة العقل في الإنسان انطمست معالم الشرع في نظره، وأظلم لظلم الطريق أمامه فتخبط فيه خبط عشواء، وضل الطريق وأضل، وماذا عسى أن ينفع الأعمى استواء الشمس في كبد السماء، وسطوعها على جبينه ومن أين ترى الشمس مقلة عمياء؟
ليت شعري ماذا يقول هؤلاء الجامدون المربوطة عقولهم بسيور السيرة المقلوبة في هذه الحقائق الباهرة ؟ أم يرمون الشيخ بالكفر وتعطيل الشرع كما يرموننا ؟ وبأي سلاح يحاربون بعد اليوم إذا ذاب سلاحهم في غمده كما ذاب فيه غضب المعرّي؟ فإن عُدتهم الكبرى في محاربة الإصلاح هذا السلاح المفلول: تعطيلهم العقل وإنكارهم لاستعماله في فهم النصوص الشرعية على ضوءه، وتطبيق قواعده الكلية على القضايا والحوادث الجزئية، فإذا أردت أن تطبق قاعدة شرعية على حادثة، أو تستدل بنص على حكم فيها قالوا: هذا تحكيم للعقل في مسائل الشرع، وإذا طلبت المفاهمة مع أحد من هؤلاء قال: ضع عقلك في رف وتعال نتفاهم، أي تجرد من عقلك وكن مجنونا مثلي فعند ذلك نتمكن من المفاهمة .
 

فلسفته :   
هو ككبار فلاسفة الإسلام الموفقين، يستوحي نظرياته الفلسفية من سماء الدين الحنيف، فيأتي بآيات بينات ومعجزات باهرات، ويغوص إلى أعماق الشريعة فيعود ببديع الأسرار ورائع الحكم، وينفذ إلى سر الحياة فيصورها أبدع تصوير ويقدرها أعدل تقدير، يتجلى كل ذلك في الطريقة التي سلكها في وضع كتابه القناطر، وفي كيفية ترتيبه، ويتضح في غضون الكتاب وبين مطاويه، فإنه شبَّهَ الحياة بمفازة يقطعها الحي؛ أول منازله فيها المهد وآخرها اللحد؛ الذي ينتهي إلى الموطن الدائم: الجنة أو النار، مفازة صعبة المسالك مخيفة المهالك كثيرة العوائق ذات شعاب وأودية، لذلك رتّب عليها قناطر إذا عبر عليها السالك أفضت به إلى الغاية وهي السعادة الأخروية.
وهذه القناطر هي: العلم والتوحيد والفرائض والتوبة، ومنها العوائق: كالدنيا والخلق والشيطان والنفس، والعوارض: كالرزق والأخطار والمصائب، ومنها البواعث والعبادة والقوادح والحمد والشكر وخوف الخاتمة والموت، وكل قنطرة من هذه القناطر تشتمل على أبواب وكل باب على فصول، وفي هذه الأبواب والفصول تتجلى عبقريته وفلسفته وأبحاثه وبعد غوره وسعة اطلاعه .
ويا ليت علماءنا كتبوا في فلسفته ببحث دقيقٍ مستفيضٍ، إذن لَظهر نجمًا لمّاعًا في سماء التاريخ .

 (يتبع)   

 
< السابق   التالى >