الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





إلى مَ العبث بكرامة وفد الله ؟ طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ عدون رحمه الله   
04/11/2008

أما لهذه المعاملات القاسية من منتهى ؟

ca9xmmu1.jpgمقال لفضيلة الشيخ عدون سعيد شريفي – رحمه الله - نشره.jpg بجريدة الأمة، للشيخ إبراهيم أبي اليقظان – رحمه الله -، السنة الثالثة عدد 109، وذلك بتاريخ: الثلاثاء 28 ذو القعدة 1355هـ / 09 فيفري 1937م ... يقول الشيخ عدون رحمه الله:

إن الحج ركن من أعظم أركان الدين الإسلامي وفريضة يقدسها المسلمون أكثر مما يقدسون سائر الفرائض، لأجل القيام بهذه الفريضة المقدسة يفارقون أوطانهم وأهاليهم، ويصرفون أوقاتا طويلة عزيزة، وينفقون آلافا مؤلفة، ويقطعون آلاف الأميال ...

ويتكبدون في ذلك أتعابا مضنية، ويتجشمون أخطارا كبيرة، ولم تكن فرضيتها وحدها هي التي تحملهم على هذه التضحيات وتدفعهم إلى تكبد هذه المشاق، فإن هناك علاوة عليها شعورا عميقا يملأ النفس لهفة وشوقا إلى زيارة تلك البلاد المقدسة والطواف حول أول بيت وضع للناس مباركا وهدى للعالمين.
بلاد انبثق منها النور النبوي فأضاء شرق الأرض وغربها وأخرج الناس من الظلمات إلى النور، مبعث الهداية البشرية ومنبت الدين الإسلامي ومأرزه، بين أحضان شعابها شب، وفوق تربتها دب، وفي أبطحها ترعرع ومن جوها طار.
 موضع البيت، مهبط الوحي، مأوى            الرسل، حيث الأنوار، حيث البهاء.
تلك هي العوامل التي غمرت نفوس المسلمين الصادقين شعورا وألهبتها شوقا، وهي البواعث التي جعلت أفئدتهم تهوي إلى زيارة تلك التربة الطاهرة، علاوة على زيارتها امتثالا لأمر الله الواجب المحتم، فيجب أن يغمر هذا الشعور قلب كل منتم إلى الإسلام، ويبعثه على تلبية داعيه، إذ لا يحرم منه إلا ضعيف الإيمان رقيق الدين، ويجب عليه _ إن لم يحظ به _ أن يحترم هذا الشعور في أصحابه ويغبط فيهم هذه العاطفة الشريفة، ويقدر فيهم هذه المنحة الإلهية والنعمة الضافية التي منحهم الله إياها، وأكرمهم بها وشرّفهم، ومن مقتضى هذا الاحترام والتقدير أن يعينهم على أداء هذا الواجب، ويعمل لتوفير وسائل راحتهم وتيسير أسباب هنائهم، ويقدم لهم كل مساعدة يستطيعها؛ برهانا على تقديسه لهذه الشعيرة التي يجب عليه تقديسها، وتقديرًا لشعور أخيه المسلم، وإجابةً لداعي الإحسان إلى من يستحق الإحسان، ورغبةً في ثواب الله ومرضاته .
ويجب على الحكومة الفرنسوية بصفتها حكومة لها رعايا مسلمون، قدموا لها شواهد الإخلاص في أخطر المواطن وضحوا لفائدتها ما لو ضحوا بشيء منه لفائدتهم لكانوا في نعيم مقيم _ إن تجبر خواطرهم في كل مناسبة وتحترم شعورهم الديني المحض، وتقوم بما يوجبه هذا الاحترام من تقديم التسهيلات لأداء هذه المهمة، تلك التسهيلات التي لا تتطلب عناء ولا تكلفها أي خسارة، فتبرهن بذلك عن حسن نيتها ومحبتها لرعاياها، وتظهر للعالم الإسلامي أجمع احترامها لمقدسات إخوانهم المسلمين الذين هم تحت سلطتها، فتجد بينهم ذكرا حسنا وسمعة طيبة في أمس الحاجة إليها في هذا الوقت العصيب.
ذلك هو واجب المسلمين نحو إخوانهم الحجاج وواجب الحكومة نحو رعاياها الحجاج فهل حظي المساكين بشيء من هذا الواجب ؟ وهل كانوا موضع احترام من إخوانهم ومن حكومتهم؟ ومحل ظنهم الحسن فيهما ؟ كلا.
إن الحجاج ليجدون من العراقيل ومن التضييقات في سبيلهم ما ينفرهم من أداء هذا الواجب ويصرفهم عنه، لولا قوة إيمانهم ورغبتهم الصادقة التي تحملهم على تكبد الخسائر ومقاساة الأتعاب وتحمل المشاق، يجدون من القيام بالإجراءات المقررة عناء كبيرا وتكاليف مشطة، وإن كان في ذلك ما يجب الخضوع له، لأنه من المصلحة التي  لا يماري فيها أحد، ويجدون بسبب احتكار الشركة الواحدة لامتياز حملهم في باخرة واحدة من المصاريف الباهضة والعناء الشديد والعذاب الأليم ما ترق له القلوب القاسية، وما لا يعامل به إلا المجرم المحكوم عليه بالأشغال الشاقة.
ولطالما ضج الحجاج من هذه المضايقات والمعاملات التي هي بالحيوانات أليق، ورفعوا شكاويهم من قساوة إخوانهم المسلمين الذين يتولون أمر هذه الشركات، ومن تضييق الإدارة التي سدت في وجوههم السبيل غير سبيل هؤلاء الانتفاعيين الذين لا يبالون _ إذا امتصوا الأموال واقتسموا الأرباح ورجعوا غانمين _ أذهب الحجاج في راحة موفورة تتكافأ وما نقدوا لها من ثمن فاحش أم في تعاسة وعناء ليس لهما مثيل؟
كم ضجوا وصرخوا واحتجوا فلم يرق لهم قلب ولم تمسح لهم دمعة ولم تسمع لهم شكاة، حتى وقعت لهم كارثة هذه السنة فكان وقعها شديدا وألمها بالغا، يتضاءل أمامها كل صبر ويتصاغر دونها كل احتمال، فقد كانت كارثة مزدوجة: حشر 2682 حاجًّا -عدا العَمَلة والمستخدمين- في باخرة صغيرة لا تسع أكثر من 1300 راكبا، فقد زاد على حمولتها الطبيعية أكثر من مثلها، فكيف يكون مصير هذه الزيادة الفاحشة؟ وأين يأخذون مقاعدهم؟ لا شك أنهم يملأون المعابر والردهات والسطوح ومخازن الذخيرة، وحتى معابر المراحيض -فيما بلغنا-، ولا شك أنهم في هذه الأماكن يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، فإن الفحص الطبي رفض لهم 400 مطرح وجدها مملوءة بالحشرات المعدية، وسيقاسون من شدة الضيق الذي به سيركب بعضهم بعضا، ومن البرد القارص وسوء التغذية ودوار البحر؛ عذابا وأي عذاب، فتنتابهم من جراء ذلك أمراض فتاكة لا تقوم بها التحفظات والاحتياطات والوقايات الطبية التي تحصنوا بها قبل السفر واصطحبوها معهم.
وكارثة أخرى هي أدهى وأمر، ذلك هو حرمان مئات من الحجاج من إجابة داعي الله، وهم في أشد ما يكونون لهفة وشوقا إلى زيارة بيت الله، بعدما تكبدوا مصاريف السفر وودعوا أهاليهم وقاسوا أتعاب الانتقال إلى المراسي وعانوا في انتظار الركوب أشد البلاء، وأخيرا تولوا وأعينهم تفيض  من الدمع حزَنا، وعادوا تعلوهم الكآبة ويسوقهم الحرمان وتسخر منهم قساوة الإنسان بأخيه الإنسان، أو قل بأخيه المسلم .
إنها لأعظم كارثة وأوجع نكبة، لا يحس بوقعها إلا من أوتي شعور أولئك الذين حدا بهم الإيمان، وطار بهم الشوق ثم انقلبوا خائبين.
قد يهون عليهم ما يلاقون من عناء الضيق في الباخرة وما يقاسون في ذلك من أهوال ولو أدت بهم إلى الهلاك، ويتحملون كل ذلك صابرين منتظرين الفرج القريب، في جانب ما يستقبلهم من التمتع بجوار الله، وما يرجون من وطئ تلك التربة الطاهرة التي وطئتها أقدام سيد الخلق.
ولكن المصيبة التي لا تهون، والخسارة التي لا تُعوّض، والجرح الذي لا يندمل، واللوعة التي لا تنطفي هي هذا الحرمان القاسي، وهذا الانقلاب الخائب، وستبقى هذه الحادثة سبة الدهر، يتحمل عارها من تسببوا فيها، ولعنة الأجيال تنصب على هؤلاء القساة الذين لم يكفهم استنـزاف الأموال، فتجاوزوه إلى استنـزاف الدموع.
لكم الله أيها المتخلفون فهو ملجأكم الوحيد الذي إليه تلتجئون، وركنكم الشديد الذي إليه تأوون، فهو الذي يأخذ بحقكم من الظلمة وينتصف منهم شر انتصاف، يوم يعضّ الظالم على يديه، وإن للمظلوم دعوة لا ترد.
سهـام الليـل قاتـلة ولكن         لها أمـد؛ وللأمـد انتهـاء
﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ [الشعراء: 227]
هذا وإن زميلتنا "البصائر" الغرّاء قد أشبعت الكلام في الموضوع، وأعطت له ما يستحق من البسط الشافي، مشفوعا بالحقائق الملموسة في افتتاحية عددها الأخير، بقلم مديرها الجليل الأستاذ الشيخ العقبي، فنحيل إليه القرّاء.
 

 
< السابق   التالى >