|
يجب أن يكون الدين أساس كل إصلاح |
|
|
|
الكاتب/ الشيخ عدون رحمه الله
|
|
02/11/2008 |
|
مقال لفضيلة الشيخ عدون سعيد شريفي – رحمه الله - نشره بجريدة الأمة، للشيخ إبراهيم أبي اليقظان – رحمه الله -، السنة الثالثة عدد 103، وذلك بتاريخ: الثلاثاء 14 شوال 1355هـ / 29 ديسمبر 1936م ... يقول الشيخ عدون رحمه الله:
إن الأمة الجزائرية المغلوبة على أمرها المبتلاة بأنواع الشرور في حاجة شديدة إلى الإصلاح في جميع نواحي حياتها، من دينية واجتماعية وسياسية واقتصادية ...
وإصلاح ناحية من هذه النواحي يستلزم عليها إصلاح النواحي الأخرى ويتوقف عليها، فيجب أن يتناولها الإصلاح دفعة واحدة ويعمها في آن واحد، لكن مع تخصيص جانب الأهم منها بالعناية لاختلاف مراتبها في التأكد .
ولما كانت الغاية من هذا الإصلاح هي الإحراز على السعادة في الحال والمآل، وكانت هذه السعادة لا تنال إلا بسلوك طريق الدين الحنيف الذي شرعه الله لإسعاد البشر في دنياهم وأخراهم؛ وجب أن يكون الدين أساسا لكل إصلاح، مسايرا لكل حركة، متناولا لكل شأن من شؤون حياة الإنسان الفردية والاجتماعية، فكل إصلاح لا ينبني على هذا الأساس وجب أن يرفض، وكل حركة لا يبعثها وازع الدين وجب أن ترصد.
في الأمة حركة إصلاحية تتناول النواحي المتقدمة وتعمل فيها عملها البطيء حسب الظروف المحيطة بها، وحسب استعداد القائمين بها واستعداد الأمة لتلقيها، غير أن هذه الحركة _ إذا استثنينا الإصلاح الديني منها _ نجدها تحمل على التشاؤم أكثر مما تحمل على التفاؤل، وتبعث على توقع إخفاقها أكثر مما تبعث على الرجاء في نجاحها، مادام أكثر القائمين بها ليس لهم من الإسلام إلا اسمه، أو هم مجردون حتى عن هذا الاسم، ومن كانت هذه حالتهم وكانوا على رأس حركات تقوم على أساس الدين -ويراد بها إصلاح قوم لا يصلح أمرهم ولا يرأب صدعهم إلا بالدين- كيف يرجى منهم صلاح؟ أم كيف يؤمل منهم نجاح؟ وإن حصلوا على نتيجة وسموها صلاحا أو ظفروا بمرغوب وعدوه نجاحا؛ كان إثم ذلك أكبر من نفعه، لأنهم لا يراعون فيه جانب الدين، إذ لا يهمهم من أمره شيء، وقد يكون ما يحصلون عليه هادما للدين مقوّضًا لأركانه.
إن من لم يبلغ به الإدراك إلى الاعتراف -عن يقين- بأنه لا يصلح الأمة إلا دينها، وأن كل حركة لا يقرها الدين هي منبع الفساد _ لا يفرق بين ما يصلح الأمة وما يفسدها، فمثل هذا لا يليق لأن يتولى إصلاحها في أي ناحية من النواحي بل هو أول فساد يتعين إصلاحه.
ومن عجز عن إصلاح نفسه الأمارة بالسوء ولم يستطع كبح جماحها -وهي تحت إرادته- فكان مستعبدا لها، تارة بالسوء فينصاع وتورده موارد المذلة والهوان؛ من انتهاك حرمات الدين واقتراف الجرائم، فيردها خاضعا ذليلا وطائعا مختارا _ كان عن إصلاح غيره أعجز، وكان جديرا بأن يستعبده كل غاشم ويستذله كل زعنيف .
ومن لم يقدر على الاستمساك في مزالق الهوى، فوقع في هوتها وهو يرى المتردين فيها صرعى الشهوات يسامون خزي الحياة، ولم يكن أول همه انتشال نفسه ليتمكن من انتشال غيره، كانت مساعيه ضربا من العبث ونوعا من الجنون، لم يزدد بها إلا ذلا على ذل وخزيا على حزي.
إلا أن للأمة دينها المقدس الذي يصاحب المسلم في كل خطوة من خطواته، وفي كل مكان يحل به، فيكون معه في المسجد وفي السوق وفي المحافل والمجتمعات، ويدخل معه بيته مع عائلته ومع خاصة نفسه، ويرافقه في مدرسته ومعهده وفي حقله ومتجره وفي معمله ومكتبه، ويجلس معه على منصة القضاء وعلى كرسي النيابة، ويعتلي معه منبر الخطابة أو منبر الجريدة، ويتغلغل في سياسته كما يمتزج برئاسته، ويدخل معه في قبره حيث لا ينفع مال ولا بنون ولا شفيع ولا صديق ولا وظيف ولا نيابة ولا زعامة ولا رئاسة، حيث لا يكون القول الفصل في مصيره الأبدي إلا لهذا الدين .
ذلك الدين القيم الذي لا يطمع المسلم في عز ولا في حياة سعيدة إلا إذا اهتدى بهديه، وسار على ضوئه وقبض عليه بيد من حديد، وعض عليه بالنواجذ، كما اهتدى به أسلافه الكرام واسترشدوا، فهداهم وأرشدهم إلى عز يتضاءل معه كل عز، وأنالهم فخرا وسعادة يتصاغر معهما كل فخر وكل سعادة.
إلا أن التاريخ الحافل بالعبر يسجل، والتجربة الصادقة تصيح، والآيات والنذر تصرخ، والواقع الملموس ينادي: أن لا صلاح لآخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فكل مصلح -دينيا كان أو سياسيا، اجتماعيا كان أو اقتصاديا- لم يتشبع بهذا المبدأ القويم ولم يكن إصلاحه على مقتضاه وسننه وجب أن يطرد من ميدان الإصلاح ويضرب بإصلاحه عرض الحائط.
ليس هذا المبدأ خاصا بالإصلاح الديني فحسب بل يعم كل إصلاح، لأن الدين الإسلامي دين يمتزج بجميع فروع الحياة كما تقدم، وبذلك كان الدين الوحيد الذي جاء لإنقاذ البشر من الشقاء الدنيوي والشقاء الأخروي، فهو دين الرحمة الشاملة والسعادة العامة، وهو حين أصلح أول هذه الأمة لم يصلحها في ناحية دون أخرى بل في جميع النواحي، فكان إصلاحه لها عاما شاملا، فلما صلحت في نفسها تسنى لها إصلاح الأمم الأخرى، حتى كاد أثره يعم العالم أجمع.
فعلى المسلمين إن أرادوا الخلاص مما هم فيه من شقاء وتعاسة أن لا يغتروا بكل حركة تبدو لهم حتى يتحققوا من صلاحها وموافقتها للدين، وأن يضربوا بكل مشروع يمس دينهم وجه صاحبه، وعلى المستبصرين من الدعاة والمرشدين الذين يهمهم أمر دينهم ويغارون عليه، ويؤمنون بهذه الحقائق أن يبصّروا الأمة في أمرها، ويحذروها من الاغترار بدعاية المغرضين والانتفاعيين الذين اتخذوا المصلحة العامة سلما يصعدون به إلى كرسي أو وظيف، أو إلى شهرة أو جاه، فإذا نالوا أغراضهم كانوا وبالا على الأمة ونكبات وكانوا مطايا لمن لا يرقبون فيها إلا ولا ذمة. فلتقف الأمة وليقف كل ديني؛ صميم الموقف الحازم إزاء كل عابث بالدين وعابث بكرامتها .
|