الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





زوار الموقع
يوجد الآن 24 ضيوف يتصفحون الموقع

gsi-hosted.gif

مصر العربية تحمل لواء العروبة طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ عدون رحمه الله   
25/10/2008

cayn4pm7.jpgوتقدم ركبها حكومة وشعبا ..
فعلى الجزائر أن تلتحق بهذا الركب الميمون

مقال لفضيلة الشيخ عدون سعيد شريفي – رحمه الله - نشره بجريدة الأمة، للشيخ إبراهيم أبي اليقظان – رحمه الله -، السنة الثالثة عدد 107، وذلك بتاريخ: الثلاثاء 14 ذو القعدة 1355هـ / 26 جانفي 1937م ... يقول الشيخ عدون رحمه الله:

هبت الأقطار العربية في المدة الأخيرة لاسترداد مجدها الغابر، وإحياء مدنيتها الزاهرة، واسترجاع محاسن الإسلام التي شوهتها أيدي الحدثان ...

وأدركت عن يقين أن هذا التراث المجيد -الذي شمل العالم نوره وتمتع بنعيمه قرونا عديدة- لا تتمكن منه إلا إذا توجهت في تفكيرها وثقافتها وتربيتها إلى قبلة واحدة، كما تتوجه في دينها إلى قبلة واحدة، فحدا بها هذا الإدراك وساقها هذا الشعور إلى العمل بمقتضاهما بعد أن كانا مجرد نظريات ترددها الألسنة وتتداولها الأقلام، هي أقرب إلى الخيالات منها إلى الحقائق .
كانت مصر في مقدمة هذه الأقطار إدراكا وشعورا، وفي طليعتها سلوكا وعملا، فقد تدرج فيها هذا الشعور من نظريات تنشرها الصحف إلى حقائق تقرها العقول السليمة، إلى مبادئ يعتنقها دعاة الوحدة، إلى عقيدة راسخة في النفوس تبعث على العمل، إلى تنظيمات وتشكيلات يقوم بها الشعب أفرادا وجماعات، وأخيرا إلى مشاريع ومؤسسات رسمية تشرعها وتؤسسها الحكومة وتضطلع بأعبائها .
كانت جريدة "المؤيد" أول من حملت لواء العروبة والإسلام في الجيل الماضي، وأول من اعتنت بشؤون العرب والمسلمين، وتلتها المنار فسارت في هذا السبيل ثلث قرن وقطعت فيه أشواطا بعيدة أدنت بها الآمال النائية، وكان لها الأثر البارز، ثم نزلت إلى الميدان منذ عشر سنين مجلة الفتح؛ حاملة هذا اللواء الخفاق فكانت فتحا مبينا للعروبة والإسلام، وكان مبدؤها وشعارها الفتح لأهل القبلة جميعا، العالم الإسلامي وطن واحد، الفتح رسالة الأقطار العربية بعضها إلى بعض ، الفتح رابطة روحية بين قرائه.
ثم منذ أربع سنين جاءت " الرسالة " بجمالها وروعتها رافعة لواء الضاد، فبلغت رسالتها الأدبية إلى الأقطار العربية فكانت " ديوان العرب المشترك وكتاب الشرق الجديد "، وكان من مباديها جمع أبناء البلاد العربية على وحدة الثقافة.
ثم جاءت في هذه السنة مجلة "الرابطة العربية"، فسلكت أهدى الطرق وتعاطت أنجع الوسائل لتوثيق الرابطة العربية، فكانت حقا _ كما تقول _ الصوت القوي الذي يرتفع لتعزيز الصلات المنظمة الوثيقة _ ثقافية واقتصادية وسياسية _ بين مصر مركز العروبة والإسلام وبين الأمم العربية والشرقية في كل مكان، ذلك هو مبدؤها القويم الذي آزرها عليه عدد عظيم من قادة الشرق العربي ومفكريه، الذين يمثلون العروبة أصدق  تمثيل ويعبرون عن اتجاه الرأي العام أدق تعبير، وأما غايتها التي ترمي إليها فهي تكوين امبراطورية عربية تتحد عمليا _ بعد أن اتحدت نظريا _ في مصالحها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وتجدد عصر الإسلام الذهبي وتبعث مجده الخالد .
هذه هي الجهود العظيمة التي يضطلع بها بعض الأفراد في مصر خدمة للعروبة ورفعا لشأن الإسلام، أما جهود الجماعات ففي طليعتها أعمال ( جمعية الشبان المسلمين ) العالمية التي هي وليدة فكرة الإصلاح الاجتماعي الإسلامي، وقد امتدت فروعها إلى جميع أقطار الإسلام الدانية والقاصية وبلغت في جاوا وحدها مائة فرع، قامت بهذا الإصلاح من جميع نواحيه، وفي ومقدمتها الإصلاح الخلقي الذي هو دعامة النهضة الإصلاحية، وقد أخذت بالحظ الوافر من خدمة الدين الحنيف ونشر الثقافة العامة والاهتمام بشؤون العالم الإسلامي ومعالجة قضاياه ومشاكله، ولا تزال في تقدم مطرد ونجاح مستمر. وهناك هيئات أخرى تعمل لهذه الغاية الشريفة لا يتسع المقام لتتبعها كلها.
 ومما هو جدير بالتنويه ما قام به _ أخيرا _ بعض أقطاب مصر من تأسيس جمعية تشترك فيها جميع البلاد العربية، لتوحيد الثقافة وتنظيمها على أسس متينة، لترتكز عليها الوحدة العامة التي هي مهوى كل عربي صميم، ويرى القاري الكريم بعد هذا تفصيلا عن هذه المؤسسة.
تلك هي جهود مصر الشعبية أما جهود مصر الرسمية _ في هذا السبيل _ التي هي نتيجة جهود الشعب فهي خطوات فسيحة موفقة، هي بشائر يهتز لها كل عربي ويبتهج لها كل مسلم، إذ هي فوز مبين للعروبة ونصر عزيز للإسلام، من ذلك ما قامت به الحكومة منذ ثلاث سنين من تأسيس مجمع اللغة العربية الملكي، الذي ينهض الآن بهذه اللغة ويرفعها إلى سامي الذرى لتتفوق على سائر اللغات الحية بما لها من خصائص ومميزات، ولا يقدر هذا المشروع الجليل حق قدره إلا من يعرف ما للغات القومية من الأثر العظيم في حياة الأمم ونهضة الشعوب.
ومن ذلك إنشاؤها _ أخيرا _ مراقبة جديدة وظيفتها النظر في الصِّلات الثقافية والاجتماعية والسياسية إذا اقتضى الأمر _ التي بين مصر وجاراتها، وتطلع اطلاعا منظما على الصحف العربية وغيرها من النشريات الدورية في جميع أقطارها، وعلى المؤلفات وسير العلوم والفنون والآداب في جميع مظاهرها، كما تعنى بدراسة نظم التعليم في مراحله المختلفة، إلى غير ذلك مما بيناه في عدد سابق، ومن أثر هذه المراقبة اشتراك الحكومة في الجرائد العربية في سائر الأقطار، ولا يخفى ما في هذا المشروع الخطير من توطيد العلائق بين الأقطار العربية وتوحيد ثقافتها وتمتين أواصرها.
ومن ذلك تشكيل لجنة من العلماء الأعلام المبرزين لوضع تفسير للقرآن الكريم، يكون في متناول المتعلمين فهمه، والاهتداء به إلى معانيه في سهولة ويسر، كما يرى القارئ ذلك مفصلا في غير هذا المكان.
إن في اضطلاع مصر (حكومة وشعبا) بهذه المشاريع العظيمة التي ترمي إلى رفع مقام العروبة واعتزاز الإسلام وإعلاء كلمة الله، لأقوى شاهد وأصدق برهان على أن في " الكنانة " سهاما فيضها الله لحراسة الإسلام ورعاية لغة القرآن وذياد المغيرين عليهما والكائدين لهما، فها هي تسهر على هذه الحراسة وتقوم بهذه الرعاية بعد أن فكت عنها القيود المرهقة ووضعت عنها الأغلال التي كانت عليها، واستوثقت من نفسها _ باذلة في ذلك أعظم الجهود، آخذة بأقوى الأسباب، متدرعة بأعظم الوسائل.
فعلى العالم العربي أن يعتبر لها هذه المجهودات الموفقة، ويقدر لها هذه الحراسة الساهرة ويعترف لها بالزعامة الكفيئة، ويساهمها في أداء هذه الرسالة السامية ويشاطرها الاضطلاع بحملها، حتى تتضاعف الجهود وتتساند القوى ويطرد السير المنتج وتتحقق الغاية المنشودة.
وعلى الشعب الجزائري –بالخصوص- الذي قعد به تخاذله وقيّده تواكله، وبقي في مؤخرة ركب الحياة عرضة للسالبين ومغار المغيرين _ أن ينشط من عقاله ويخرج من عزلته، ويضاعف سيره في اتحاد وتضامن ليلتحق بالركب، فيسايره ويقاسمه تحمل العبء قبل أن تطول بينهما المسافة، ويغيب وراء الأفق ويعفو الأثر وتخفى المعالم، فيبقى تائها في بيداء الضلالة لا هادي له ولا أنيس غير الذئاب الجائعة المتكالبة على افتراسه " وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ".
فلينتهز العالم العربي هذه الفرصة التي هيأتها له مصر الناهضة، ولْيسع في استثمارها بكل قواه، وليأخذ بيد المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، حتى يتضافروا جميعا على إنقاذ العالم الإسلامي من تفككه وانتشاله من وهدته، ثم يقبلوا على نشر هداية الإسلام وتعميم نور مدنيته في العالم، الذي ينشد مدنية إنسانية سامية تقضي على هذه الفوضى والارتباكات التي تؤدي إلى انهياره إن لم تتداركه مدنية الإسلام، كما تداركت الجاهلية الأولى فأنقذتها من فوضاها وأخرجتها من الظلمات إلى النور.
إن المسؤولية التي يتحملونها خطيرة والمهمة شاقة والحمل ثقيل والعوارض جمة والغاية بعيدة، غير أن الجهود إذا توحدت والعزائم إذا توطدت والنيات إذا صدقت، سهّلت كل عسير وخفّفت كل ثقيل وأزالت كل عارض وقربت كل بعيد، ولتوفير هذه الشروط الكفيلة بالنجاح اضطلعت مصر بما رأينا من المشاريع التي تحققها في وقت قريب بإذن الله .
 

على قدر أهل العزم تأتي العزائم       وتأتي على قدر العظيم العظائم

 
< السابق   التالى >