الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





زوار الموقع
يوجد الآن 23 ضيوف يتصفحون الموقع

gsi-hosted.gif

ليس في الحق تنازل ولا هوادة ... الحق أحق أن يُتبع طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ عدون رحمه الله   
23/10/2008

مقال لفضيلة الشيخ عدون سعيد شريفي – رحمه الله - نشره بجريدة الأمة، للشيخ إبراهيم أبي اليقظان – رحمه الله -، السنة الثالثة عدد 105، وذلك بتاريخ: الثلاثاء 28 شوال 1355هـ / 12 جانفي 1937م ... يقول الشيخ عدون رحمه الله:

لا يخلو الخلاف الواقع بين الناس من أن يكون في مسائل شخصية تخص الأفراد في معاملاتهم وعلاقاتهم، أو في مسائل دينية ووطنية تعم الناس جميعا ...

فالخلاف في المسائل الخاصة يمكن فصله بطريق المحاكم أو بالصلح بين المتنازعين؛ بأن يُقنع الذي عليه الحق فيقلع عن الخصام وينصف من نفسه، أو يُطلب من الذي له الحق أن يتنازل حسما للنـزاع، والخلاف في المسائل العامة هو خلاف بين الحق والباطل، ونزاع بين المحق والمبطل، فالحق هنا ليس ملكا لشخص أو لجماعة معينة إنما هو ملك لله وللأمة جمعاء، فليس لفصل هذا الخلاف غير طريقة واحدة هي تأييد المحق وإعانته وردع المبطل وخذلانه، بذلك أمر الله ورسوله وبذلك يقضي العقل السليم ويحكم به المنصفون وأولوا النهى، وكل فصل جرى على غير هذا الطريق هو عين الباطل.
ورغما عن ظهور هذه الحقيقة ووضوحها نجد كثيرا ممن نحسبهم عقلاء ويبعد أن تغيب عنهم أمثال هذه الحقائق، وكثيرا من المغرضين الذين جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم _ يمارون فيها ويجادلون، ويحاولون أن يعكسوا القضية.
نجد هؤلاء عندما ينشأ خلاف من هذا النوع يقومون كوسطاء بين المختلفين ويريدون حسم الخلاف بإرضاء الطرفين، فعوض أن يقنعوا المبطل بأنه مبطل ويحملوه على الرجوع عن الباطل واتباع الحق -كما تقتضيه الحكمة ويوجبه الشرع- نراهم يطلبون من المحق _ وأكثرهم يعترفون بأنه محق _ أن يتنازل عن الحق الذي يتمسك به ويدعو إليه، فإذا امتنع -كما يوجب عليه دينه ويقضيه العقل- عتبوا عليه وحمّلوه مسؤولية الخلاف وما ينشأ عنه من التنازع والشقاق وضياع المصالح، وجهلوا أو تجاهلوا أن من لم يكن على الحق كان على الباطل، وأن الرجوع عن الحق إجرام وخيانة، إذ ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة، اللهم إلا أن تكون النفاق والذبذبة، وإذا كان لا بد لحصول الوفاق من تنازل أحد الطرفين للآخر فلا يكون المتنازل إلا المبطل، فمن العار الكبير والخذلان الشنيع أن يقال لصاحب الحق اترك ما بيدك من الحق وتنازل للمبطل، ولا يقال لصاحب الباطل اترك باطلك والتحق بالمحق.
وإن كان هؤلاء لا يزالون في ريب من الحق، وكان أمره مشتبها عليهم حقيقة لا ادعاء فمن واجبهم أن يلازموا الحياد ويتركوا وساطتهم التي لا تزيد الحالة إلا ارتباكا، على أن للحق ضوءا كضوء النهار يعرف وللباطل ظلمة  كظلمة الليل تنكر، فكل من فتح عين بصيرته يرى الحق متجليا تجلي الشمس في رائعة النهار، ويرى الباطل غاشيا غشيان الليل البهيم، فلا يشتبهان ويغمضان _ في الغالب _ إلا على من ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة، إلا على من حال بينه وبين رؤيتهما على حقيقتهما حجاب الأغراض والحمية الجاهلية، فلو زالت هذه الحوائل لأبصر الناس الحق حقا فأخذوا به، والباطل باطلا فرفضوه، ولعرفوا المحق بالحق الذي معه فاتّبعوه والمبطل بباطله فرفضوه.
فليس _ إذا _ السبب الباعث لهؤلاء على مطالبة المحق بالتنازل دون المبطل هو الشك في الحق واشتباه أمره عليهم، إنما السبب هو عدم تفريقهم بين حق يصح التنازل عنه وقد يكون ذلك فضيلة وهو الحق الشخصي، وبين حق يحرم التنازل عنه ويعد ذلك خيانة وهو الحق العام، الذي يجب على كل أحد أن يقف دونه مناضلا ثابتا لا يتحول، راسخا لا يتزعزع، وكثير من هؤلاء يعرفون هذا الفرق ويتحققونه، ولكن تعصبهم الممقوت يأبى عليهم إلا خذلان الحق وأهله -حيث أن أهواءهم مع المبطلين- فلما أعيتهم الحجة وأعوزهم الدليل وخافوا أن يظهروا بمظهر الناصر للباطل، الخاذل للحق جهارا، وهم عزّل من الحجة عمدوا إلى خذلانه متسترين بدعوى حب الوفاق وإزالة الخلاف، فجاءوا إلى المحقين يطلبون منهم التنازل عن الحق ليحصل الوفاق ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ).  
إذا كان يسوءهم حقا هذا الخلاف الواقع في الأمة، وكبر عليهم أن يروها متنازعة، ويريدون -مخلصين- إزالة الخلاف وحسم النزاع فليستمسكوا بغرز الحق إذا كانوا منه على بينة، وإن كانوا لا يزالون في شك منه فبين أيديهم وسائل قريبة المنال تريهم موقع الحق من الباطل، وعلى قيد أبصارهم معالم في منتهى الوضوح تهديهم الصراط السوي، فإذا نالوا مبتغاهم من الحق أرشدوا إليه المبطلين ودعوهم ليسلكوا مسلكهم، فإذا أبوا واستكبروا كانوا من المحقين ألبا عليهم وحربا حتى يفيئوا إلى أمر الله، فبذلك لا بغيره يزول الخلاف ويرتفع النزاع، وبذلك لا بغيره أمر الله ورسوله، وجرى عليه عمل المؤمنين الصادقين، وقضى به العقل السليم، وتلك هي الطرق المشروعة والوسائل المعقولة لكل من أراد أن يقف موقفا حازما إزاء كل خلاف ناشب بين قوم، فكل من يخالف هذا المسلك القويم كانت نهايته الإخفاق، ثم لا يزيد الخلاف إلا تفاقما والنار إلا اشتعالا، فليتق الله الذين حملتهم قلة تبصرهم وسوء تدبيرهم على تنكب السبيل فضلوا وأضلوا، والذين استعبدتهم أغراضهم وحميتهم الجاهلية فتعمدوا خذلان الحق، وما يخذلون إلا أنفسهم وما يشعرون، فالحق منتصر لا محالة والعاقبة للمتقين.

 
< السابق   التالى >