|
الكاتب/ الشيخ عدون -رحمه الله-
|
|
06/10/2008 |
|
مقال لفضيلة الشيخ عدون سعيد شريفي – رحمه الله - نشره بجريدة النور للشيخ إبراهيم أبي اليقظان – رحمه الله -، السنة الأولى عدد 39، وذلك بتاريخ: الثلاثاء 22 صفر 1351هـ / 28 جوان 1932م ... يقول الشيخ عدون رحمه الله:
العلم الذي يلتمسه كل مسلم صادق الإيمان هو العلم الذي يسعد به في معاشه ويسعد به في معاده، فكل علم لا يكون وسيلة إلى هذه السعادة هو في الحقيقة جهل وضلال.
بهذا العلم بعث النبي صلى الله عليه وسلم معلما، وبه اعتنى الصحابة رضوان الله عليهم، ومن بعدهم ممن حذا حذوهم واقتفى أثرهم...
فنالوا به أشرف غاية يطمح إليها الإنسان في هذه الحياة، وفازوا بأعلى الدرجات في الأخرى وما عند الله خير وأبقى.
لهذا العلم الشريف عقبات كؤودة تقف في سبيله، وآفات كثيرة تهدده، وأعداء كثيرون يحاربونه وينقصون له من أطرافه [عبارة غير مفهومة]... ولكل من ينتسب إليه، لأنه يبدي عوراتهم ويكشف سوءاتهم، فلا يطيب للجاهل عيش وبساط العلم ممدود، ولا تصفوا له حياة وضوء العلم منتشر، والجامد عدو للعلم محارب له، لأن العلم الصحيح شجرة لا تنبت ولا تترعرع إلا في تربة تسقى بماء التفكير الحر، فإذا انقطع هذا الماء تيبست وتحطمت، والجمود إذا تمكن من دماغ الإنسان نضب معين التفكير فيه، فصوّح نبته فصار هشيما تذروه رياح الأوهام.
والحاكم إذا كان غاشما مستبدا؛ كان العلم عدوه الألد إذ أنه يقف له بالمرصاد، يتتبع سقطاته ويكشف عن غلطاته ويناقشه على النقير والقطمير، ويهيب بالأمة أن توقف الظالم عند حده، فلا ترسخ قدم الظلم والاستبداد إلا في ظلام الجهل حيث الغفلة سائدة والبله ضارب أطنابه والهلع والخوف ممتد رواقهما، فهو يعمل بكل ماله من قوة وحول لإطفاء نور العلم وقطع دابر العلماء.
تلك هي أهم آفات العلم وأولئك هم الجناة عليه، غير أن هذه الآفات مهما عظم خطرها وأولئك الجناة مهما قويت شوكتهم فليسوا ببالغين منه مأربا ولا بنائلين وطرا، وإن كان بعضهم لبعض ظهيرا، بالنسبة لما يناله من فسقة أبنائه والمتهتكون ممن ينتمي إليه أولئك الجناة على العلم وأولئك هم هادمو صرحه ومخربو دياره وناسفو قصوره.
إن الجاهل إذا عادى العلم علم كل الناس أن عداوته للعلم لم تتسبب إلا عن جهله، فليس نكرانه للعلم وأهله إلا مكابرة ظاهرة، فإذا خلا بنفسه اعترف بفضله وأقر بشرف أهله، والجامد لا يعترض في سبيل العلم كل الاعتراض ولا يقف أمامه وجها لوجه، لكنه يحصر دائرته حسب نظره القاصر، ويضيق عليه رقعته الفسيحة، فعداوته للعلم الصحيح لا تنال منه شيئا وضرره لا يتعداه اللهم إلا لقصير النظر مثله.
والحاكم المستبد لا يزيد استبداده إلا تنشيطا لحركة العلم وحلا لعقالها، ولا يزيد الطالب إلا إغراء على طلبه وإلهابا لجذوته الخامدة في النفوس، "وأحب شيء إلى الإنسان ما منعا" وشمس العلم إذا أشرقت ونشرت ثوبها الذهبي في أعماق النفوس فلا تقدر قوة في الوجود على طيه، لكن إذا أوتي العلم من قبله وكانت آفته من ذويه وأبنائه المنتمين إليه فهناك الطامة الكبرى [عبارة غير مفهومة]... إذا وقف المنتسب إلى العلم إزاءه موقف الهادم، موقف المزدري به، المحتقر لشأنه الحاط من كرامته المهين لعظمته، بما يظهر فيه من مظاهر التهتك والاستهتار وراء الشهوات، وبما يأتيه من الأعمال التي تشوه جماله وتدنس محياه من الانحراف عن جادته، ومشاركة السفلة فيما يقترفونه من ضروب الموبقات وأنواع المنكرات، أصيب العلم في مقاتله وكان أبغض شيء لدى العامة هنالك، يصبح العلم بضاعة مزجاة وتجارة بائرة ترغب عنها النفوس، وتنفر منها الطباع ويصبح حاملوه سخرية لكل ساخر، يُلقون بألسنة حداد، وتوجه إليهم التهم المدنسة، ويلصق بهم كل عار وشنار، وتصبح دوره موصدة الأبواب خاوية على عروشها.
فلو أن جمعيات العالم أجمع ونشرياته كلها تمالأت وتساندت واتحدت جبهة واحدة، فقامت تبث دعاية ضد العلم بما لها من وسائل الإقناع والاستمالة، طمعا أن تنال من شرف العلم منالا أو تنقص من عظمته في نفوس العامة مثقالا، ما بلغت مناها ولا نالت من غرضها معشار ما يناله المنتسب إلى العلم من التنقيص والحط من كرامته بسوء فعله ودنس عاره.
إن المنتسب إلى العلم مرآة صافية تمثل العلم لأنظار العامة تمثيلا صادقا، فإن كان مستقيم السيرة متحليا بالفضيلة متوجا بتاج الكرامة، كان العلم في نظرهم شريفا بقدر شرف صاحبه وفضله وكان محبوبا لديهم كصاحبه، وإن كان معوج السيرة خبيث النفس مدنس العرض، كان العلم حقيرا مبغوضا بقدر حقارة صاحبه وهوانه، فهو حجة له إن كان صالحا، وحجة عليه إن كان غير صالح.
ليس ما نرى من زهد العامة في الإقبال على العلم، ورغبتهم عن نشره إلا نتيجة مواقف مخجلة تزري بشرف العلم وأهله، يقفها أناس ينتسبون إلى العلم وليس للعلم أثر في أعمالهم ولا في نفوسهم، فإذا أراد العلماء المصلحون نشر دعاية العلم بين الأوساط الجاهلة فليوجهوا اهتمامهم إلى الدعاية الصامتة، إلى الدعاية بالأعمال الصالحة، فمتى حصلت منهم هذه كانت كل دعوة قولية صدرت منهم كافية في حصول المقصود، وأما أن يقتصروا على هذه بينما أعمالهم تناقض ما بقولون وتكذب دعواتهم فلا يجنون من ذلك إلا عكس مقصودهم، وما هم إلا جناة من أسفل طبقة.
إن العلم محجوب بالعلماء كما أن الإسلام محجوب بالمسلمين، فإن العامة لا ترى العلم إلا في الأشخاص الحاملين له، ولا يأخذون صورته إلا من صورهم، فإذا كانت شوهاء مدنسة انطبعت صورة العلم في أذهانهم كذلك، ونفروا عنهم نفورهم عن كل بغيض فلا تؤثر فيهم بعد ذلك دعاية العلم.
فليستشعر هؤلاء خطر المسؤولية الملقاة عليهم، وعظم الأمانة التي تحملوها، وليعرفوا مقدار الجناية التي يجنونها إذا حادوا عن الصراط السوي، وتنكبوا عن سبيل الرشد، وليعتزوا بالعلم الذي حملوه، وليظهروا بمظهر لائق بكرامته ومنزلته السامية، حتى يظهر العلم في ثوبه الفضفاض يستهوي الألباب، وتتعشقه النفوس، ويصبح قبلة الآمال وكعبة القصّاد.
|