الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





الجمود، وكيف يجب على الأمة الاتقاء منه ؟ طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ عدون رحمه الله   
25/09/2008

pm.jpgمقال لفضيلة الشيخ عدون سعيد شريفي – رحمه الله - نشره بجريدة النور للشيخ إبراهيم أبي اليقظان – رحمه الله -، السنة الأولى عدد 46، وذلك بتاريخ: الثلاثاء 12 ربيع الثاني 1351هـ / 16 أوت 1932م ... يقول الشيخ رحمه الله:

ما من موضوع إصلاحي يطرقه الكاتب أو مرض اجتماعي يعالجه إلا ويصادف في الغالب نجاحا وتترك كتابته فيه أثرا، فإن لم يحصل على الأثر الذي يبتغيه فلا أقل من أن يكون دونه، إلا إذا طرق موضوع الجمود وحاول أن يعالج هذا المرض في نفوس المصابين به، فإنه لا يحصل له من سعيه إلا الخيبة والإخفاق...

لأن من لم تغنه الآيات والنذر المتتابعة، ولم تؤثر فيه حوادث الأيام وتقلباتها، ولم تحركه الزلازل والأهوال التي تدك الجمادات، فكتابة الكاتب فيه خطوط على ماء، وكلام المتكلم معه صرخة في واد.
 فإذا طرقنا هذا الموضوع اليوم فليس غرضنا منه تحريك هؤلاء السواكن وفتح ما استغلق على حوادث الطبيعة الجبارة، إنما غرضنا أن نكتب عن غريب في هذا العصر، وعن أثر هذا الداء في الهيئة الاجتماعية، وأن نحوط المصابين به بسياج من التحذير حتى لا يعدوا غيرهم بعلتهم الفتاكة، تاركين هؤلاء وما اختاروه من سجن مؤبد سجنوا فيه أنفسهم طول حياتهم.
كنا نحسب أن هؤلاء قد اضمحلوا أو كادوا، لأن الوقت قد تقدمهم أشواطا وتركهم عاكفين على كل عتيق نشأوا عليه، وأصبح اليوم غير صالح لأن ينصبوا فيه أعشاشهم ويبيضوا ويفرخوا فيها، ولأن حوادث الأيام وتطوراتها كافية لفك قيود عقولهم، وفتح ما انغلق من أبواب تفكيرهم، فإذا نحن لا نزال نرى لهم بقايا؛ نرى لهم مناهضات ومحاولات للقضاء على كل نهضة تدب، ونرى في الناس من ينخدع لهم، شأن كل أمة لم ينتشر فيها التعليم الصحيح الذي يصهر هذه القيود ويقضي على كل هذه الطفيليات المنبثة في جسمها، فيجب الالتفات إليها والعمل لإبادتها حتى تسلم الأمة من هذه الأمراض الوبيلة.
الجمود تقييد الفكر وتعطيله عن تأدية وظيفته المنوطة به، أو بعبارة أخرى حرمان العقل من نور التفكير الذي هو من خصائصه؛ والذي لا يبصر شيئا إلا على ضوئه، فالجامد قد قضى على موهبة العقل التي لولاها لالتحق بجنس العجماوات، فهو عضو  عليل لا يرجى منه نفع، فإذا حاول أن يعدي غيره بأن يجمعهم في بوتقته ويحملهم على سلوك طريقه الذي لا منفذ له، وجب الإشهار به وإيقافه عند حدود التحذير منه.
إن الحياة في العصور الغابرة غيرها في العصر الحاضر، فهي في انقلاب دائم وتطور مستمر، فالأمس غير اليوم واليوم غير الغد، وما صلح أمس لا يلزم أن يصلح اليوم، وما صلح اليوم لا يلزم أن يصلح غدا، فلكل عصر حكم ولكل وقت ما يصلح به إلا الدين القويم ...[عبارة غير مفهومة] هذا العقل ليرسل شعاعه على هذه الحياة الحالكة، فيرى الطريق الذي يجب عليه سلوكه في وقته الذي له حكمه الخاص، حتى يقطع مرحلة حياته آمنا من شر غوائل الأيام؛ سالما من كل آفة تلحق المتنكب عن سنن الكون.
فالذي لا يرسل رائد عقله في ملكوت الله ملتمسا فيها سبيلا رشدا يسلكه، والذي لا يماشي الأيام ويسايرها في تطوراتها ولا يلبس لكل حالة لبوسها -مالم تخرج من منهاج الشرع العزيز- هو منحرف عن الجادة، متخلف عن القافلة التي خرج معها إلى هذا الوجود لقطع مفازة الحياة، ومآله لا محالة الموت قتيل الجوع والعطش، والذهاب ضحية الحمق والجنون، ولا أحْمَقَ ممن يحاول تطبيق حياة قرون مضت على حياة اليوم، على ما بين الحياتين من تطور غريب، وانقلاب مدهش في جميع أطوارها السياسية والاجتماعية والمعاشية، ومن أراد ذلك فلينفذ من أقطار السماوات والأرض إن استطاع، أو ليطو القرون القهقرى حتى يأتي الحياة التي يتعشقها فيعيش ثَمَّ كما يشتهي، فإذا رأى ذلك مستحيلا فليعلم أن استحالة المعيشة في العصر بمثل تلك الحياة الغابرة لا تقل عن استحالة انتقاله إليها بنفسه، فإذا لم يدرك هذا التنظير فلينشد عقله الضال.
إن كل ما في الوجود خاضع لناموس التطور، مساير لطبيعة الوقت، فهو رهن الحوادث يكيّفه حسب تكيّفاتها، سوى الدين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو فوق الأزمنة والحوادث، جديد لا تبلى جدته رغم قدمه، باق على حالته منذ نزل به الروح الأمين، هو دستور كل عصر، ملائم لكل وقت، ثابت مع كل علم وكل بحث وكل اختراع واستكشاف، وأنى يخطو إليه خطأ أو يتوجه إليه انتقاد صحيح وهو من وضع العليم الخبير، الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، ويعلم أن ستجد أمور وتحدث حوادث وتنشأ مخترعات وتبدل الأرض غير الأرض، وكل ما سوى الدين -من وسائل حفظه والدفاع عنه والإصلاحات الوقتية ونظم الاجتماع وأمور المعاش قابل للتطور والتحول- يجب أن يساير الوقت ويخضع لتقلباته، فالجمود على ما كانت عليه هذه الأمور قديما في الوقت الذي انقلبت فيه هذا الانقلاب العجيب -بما أدخله عليه العلم الحديث من ضروب الإصلاح والتحسين والاختراع- ضرب من الخَوَر وفن من فنون الجنون.
والجامد هو الذي لا يفرق بين ما هو الدين الذي يجب العض عليه بالنواجذ والاحتفاظ عليه على الصورة التي جاء بها، وبين ما ليس من الدين مما يجب أن يساير الوقت ويخضع لكل ما هو في مكنة العقل البشري أن يدخله عليه من إصلاح، فيعطي لهذا حكم  الدين الثابت الذي لا يتغير، ويحكم على كل شيء لم يألفه طبعه أو خالف ما وجد عليه أجداده الأقدمين، بأنه محدث وكل محدث بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وعلى كل من يتصدى لإصلاح أمر من هذه الأمور أو تحريره أو نبذه -إن كان غير صالح- أو اختراعه من جديد؛ بأنه مبتدع منكر لما عليه السلف الصالح، مبغض لهم حائد عن طريقتهم ...[عبارة غير مفهومة] الخارج عن الدين، وما ذلك إلا لأن آفة الجمود تمكنت من نفسه فأوصدت عليه أبواب التفكير، وسدت أمامه طرق التجوال في فضاء المعقولات، فانطمست مرآة عقله وتعطلت وإذا هو أعمى البصيرة، ويستحيل بعد ذلك على من هو مرشد بصير أن يقنعه بضرورة الفرق بين المحدثات التي تناقض الدين ويأباها، والتي تؤيده ويؤيدها ويتسع لها صدره، وأنى له الوصول إلى التفريق والتمييز، والبصيرة التي يبصر بها منطمسة، والعقل الذي يميز ويفرق به معطل.
إن ضرر هؤلاء على الدين لا يقل –إن لم يزد- عن ضرر أعداءه الأجانب عنه الذين يكيدون له ويناصبونه العداء جهارا، فهم السلاح الوحيد الذي يحملونه لمحاربة الدين، إذ يتخذون ما يرونهم عليه وما يتلقون منهم من السخافات والخرافات حجة على قصوره وعدم مماشاته للمدنية الصحيحة، ومساعدته على تقدم العمران، وهم الواقفون في سبيل كل نهضة إصلاحية يقوم بها العاملون، والهادمون لكل مشروع يبنيه المصلحون. ولنا في الموضوع بسطة أخرى سنعود إليها في الآتي بإذن الله.

 

 
< السابق   التالى >