الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





كيف يكون الإصلاح وما هي وسائله؟ طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ عدون -رحمه الله-   
23/09/2008

islah.jpgمقال لفضيلة الشيخ عدون سعيد شريفي – رحمه الله - نشره بجريدة النور للشيخ إبراهيم أبي اليقظان – رحمه الله -، السنة الثانية عدد 65، وذلك بتاريخ: الثلاثاء 20 رمضان 1351هـ / 17 جانفي 1933م ... يقول الشيخ عدون رحمه الله:

كتبنا في أعداد سابقة فصولا متتابعة في وجوب الإصلاح، دفعنا بها شبه المثبطين الذين يرون وجوب الاستسلام وإلقاء الحبل على الغارب، وفنّدنا نظرياتهم الفاسدة تفنيدا لا يدع شكًّا لمرتاب، ولما وضح الصبح لذي عينين وزال ما كان من شكوك وشبه مضِلّة عالقة بالنفوس التي لم يختم عليها بخاتم الجحود والمكابرة...

لم يبق عذر لمن يتصامم ويتقاعس عن تلبية نداء الإصلاح؛ الذي يهيب بكل مفكر يرى ما عليه دينه ووطنه من فساد وخيم العاقبة، وهنا يتساءل الذين يستمعون القول ويجيبون داعي الله: كيف يكون الإصلاح وما هي وسائله؟ وللجواب على هذا السؤال عقدنا هذا الفصل.
    إن ما نجيب به على هذا السؤال وما نطالب به من وجوه الإصلاح، هو الرأي السائد لدى دعاة الإصلاح وهو التصميم الذي وضعوه لبناء نهضتهم الإصلاحية، لكن لما كان العمل بمقتضاه لا يزال ضعيفا وكان هناك نوع تقصير ومخالفة في تنفيذ ما وضعوه من الخطط القويمة، رأينا أن نبدي رأينا هنا تعضيدا لآرائهم وتثبيتا لقلوبهم وتشجيعا لهم على مواصلة السير ومضاعفة الأعمال والقِوَى، وتنبيها على ما يبدو من بعضهم من تقصير وإخلال ومخالفة تخل بالحركة وتضعف من شأنها.
    إن نواحي الإصلاح التي لا تستقيم لنا حياة إلا بترميمها كثيرة، وفروعه متشبعة وتنحصر في نواح ثلاث، اجتماعية واقتصادية وسياسية، تلك هي أسس حياة الأمم وبانعدامها تنعدم حياتها، وقد اعتراها الضعف عندنا إلى حد بعيد حتى كادت تضمحل وتنهار، ولا سبيل لدرء ما نزل بها من فساد وتدهور مبيد، وإصلاحها على وجه ترتكز عليه حياة ماجدة وسيادة ... إلا بقوتين أساسيتين عظيمتين لا ثالثة لهما هما عماد كل إصلاح وأساس كل نهضة: العلم الصحيح والخلق المتين، فمن توفرت لديه هاتان القوتان فقد سقيت له السعادة بحذافيرها ونال أقصى غاية يتوخاها، هما قوتان عتيدتان بعيدتا المنال لا يمكن الحصول عليهما إلا بتضحيات غالية؛ تضطلع بأعبائها هيئات مؤسسة وجماعات منظمة، تتكافل فيها القوى وتتحد المقاصد، أما الأعمال الفردية إذا توزعت فإنها مهما اشتدت وقويت؛ قصيرة المدى، عرضة للطوارئ، خاضعة لتصرف الحوادث المتقلبة، سرعان ما تخور وتحور رمادا بعد أن سطعت، فلا اعتماد عليها في نهضة، ولا ترجى حياة صحيحة من ناحيتها.
نعم هي النواة للمؤسسات العامة، ولها فضل تحريك الهمم وإيقاظ النفوس وجمع القوى، لكن ليست هي التي تباشر بنفسها إيجاد هاتين القوتين في الأمم الفاقدة لهما، فلابد بينهما من واسطة تتولى -بمالَها من قوة منظمة- تكوين حركة علمية أدبية إرشادية شاملة، تنقلب بها وضعية الأمة رأسا على عقب، فإذا حياتنا متوقفة على ضم القوى بعضها إلى بعض، وتأسيس جمعيات لنشر التعليم بجميع الوسائل، وبث الإرشاد بين الأوساط الغافلة، وخلق روح الشعور بالواجب بينهم؛ تلك هي وسيلة الإصلاح الوحيدة، فمن حاوله من غير هذا الطريق تقطعت به الأسباب، ونال به الإعياء والملل منالا لا يترك رجاء في نفسه، فيرجع منهوك القوى خائر العزيمة آيسًا من الإصلاح.
إن ما نرى في المدة الأخيرة من انتشار الجمعيات في القطر الجزائري -على قلتها- نظرا لاتساعه وحاجته إليها، دليل اقتناع العاملين بضرورة هذه المؤسسات التي هي الدماغ المفكر، وذلك ما يملأ النفوس رجاء وأملا في نمو هذه الحركة المباركة وشمولها لجميع أوساطنا، فليتنافس المتنافسون في هذه المشاريع، وليتباروا في هذا الميدان الخليق بالتنافس والمباراة، حتى يكون لها في كل واد أثر، وتصبح قوة عتيدة، جنودها ملْء السهل والجبل، يهاجمون الأمية والجهل الفتاك، ويقضون عليها، إذ ذاك يتم لنا كل إصلاح قصدناه.
ولما كان جمهور الناس اليوم في غفلة من هذا الواجب العام، ليس لهم من الإحساس ما يبعثهم على تقديره وإعطائه ما يستحق من العناية والاهتمام والسعي الجدي، وجب على الخاصة -الذين هم على رأس هذه الحركة المسيرين لدواليبها- أن يعتمدوا على أنفسهم في أداء هذه المهمة؛ لا على سواهم، وأن يقدروا خطورة موقفهم هذا حق قدره ويعترفوا بالمسؤولية الملقاة على كواهلهم، ويؤدوا بكل صدق وإخلاص الأمانة التي حملوها إلى أهلها.
إنهم ليُبلون في أموالهم وأنفسهم، وليسمعن من الذين يسعون في إصلاحهم وجر النفع لهم؛ أذى كثيرا ما دموا يقفون منهم موقف الطبيب الناصح من المريض المدنف الذي لا يحس بمرضه، وليست له رغبة في زوال ما به من ضر، حتى يمكّن جسمه لمبضع الجراح يشرّحه كما شاء منه.
فلتصُمّ آذنهم عن كل عوراء تصدر منهم، وليتغافلوا عن كل أذى يصيبهم في أشخاصهم، مادام غير ماس بالحركة في شيء، وليمضوا قدما نحو غايتهم لا يلويهم عنها ناعق ولا يصدنهم عنها معرض دجال.
إن مهمتهم هذه جد خطيرة، وحملها ينوء بالعصبة أولي القوة، فليتدرعوا لتحملها بالعزائم الصادقة والإرادة الحديدية، وليوطنوا نفوسهم على الدأب والسهر والتعب وسماع كل مكروه، وليستعينوا بالصبر والثبات على تذليل كل عقبة تعترض سبيلهم، فإنهم يطلبون عزيزا فليضحوا في سبيله كل عزيز "ومن يخطب الحسناء لم يغلها مهر"، وليعتمدوا في دعايتاهم وتثبيت دعائم مشروعاتهم على ما يعملون، أكثر مما يعهدون على ما يقولون، إذ القول لا أثر له إذا كان هو في واد والعمل في واد، فليكونوا مثالا للاستقامة وكرم الأخلاق والإخلاص والمثابرة، وليبتعدوا عن كل أمر يزري بشأنهم ويحط من مكانتهم. إن هو إلا أمد وجيز يلزمون أنفسهم فيه بتنفيذ هذه الخطط، حتى يروا إقبالا من الأمة مدهشا، وثورة إصلاحية تعم سائر القطر، وما ذلك -على من تصدى لمهمة الإصلاح وعرف الغاية التي يسعى لها- بعزيز.

 
< السابق   التالى >