الرئيسة
تعريف الجمعية
مدونات الباحثين
مقالات وبحوث
نشاطات وأخبار
مؤلفات وإصدارات
بحوث منهجية
دورية الحياة
معجم أعلام الاباضية
معلمة الفقه الإباضي
كتب وإصدارات





أعداء العلم الألداء طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ الشيخ عدون -رحمه الله-   
23/09/2008

مقال لفضيلة الشيخ عدون سعيد شريفي – رحمه الله - نشره بجريدة النور للشيخ إبراهيم أبي اليقظان – رحمه الله -، السنة الأولى عدد 40، وذلك بتاريخ: الثلاثاء 29 صفر 1351هـ / 05 جويلية 1932م ... يقول الشيخ عدون رحمه الله:

كتبنا في العدد  الماضي مقالا كان كلامنا فيه على علماء السوء، أو أشباه العلماء الذين جنوا على العلم بسوء أعمالهم جناية لا تغتفر، غير أن ما كتبناه لا يفي بتشخيص كبير جنايتهم وتصوير عظيم جرمهم الذي من آثاره السيئة ونتائجه الهدامة ما هو موضوع حديثنا اليوم...

فسنبسط الكلام فيه إذ هو في الحقيقة مصدر الداء ومبعث الشرور، ذلك هو تأثر أكثر العامة بسوء أعمال أولئك العلماء، واتخاذهم حجة على العلم فبغضوه وزهدوا فيه.
 فمنهم من وقف إزاء العلم موقف الزاهد فيه المعرض عنه، ومنهم من وقف موقف العدوان والمحاربة جهارا، وقليل منهم من يناصر العلم والعلماء ويسعى باجتهاد في تشييد مبانيه وتقويم مشاريعه ونشره بباعث الغيرة والإخلاص، لكنهم مع قلتهم الضئيلة ليست لهم قوة يكافحون بها عدوان المعتدين على العلم ويقاومون بها حملاتهم المتوالية، فعلى مثل هؤلاء يلقى أوفر نصيب من المسؤولية العظمى على حرمان الأمة من أعظم مقوماتها ومن عنصر حياتها الذي صار به كل شيء حيا، ولا يبرر موقفهم هذا ما يرونه في بعض العلماء أو المنتسبين إلى العلم من الانحراف عنه وعدم التقيد بواجباته، فذلك في الحقيقة لا ينقص عن قدر العلم ولا يحط من قيمته، اللهم إلا في نظر فاقدي الإدراك الذين يتخيلون الشمس مظلمة إذا طبقوا أجفانهم، أو حالت بينها وبين أعينهم قزعة سحاب.
     ما يضر البحر أمسى زاخرا        إن رمى فيه غلام بحجر
    ماذا جنى العلم حتى حمّلوه تبعة حامليه المتنكبين عن سننه، وألصقوا به ما يلصقون لأخس المهن من عار ودنس؟ كيف نظرتم إلى العلم من ناحية هؤلاء الأدناس وأخذتم صورته من مرآتهم المشوهة، ولم تنظروا إليه من ناحية العلماء الصادقين الأوفياء فتأخذوا منهم صورته الحقيقية؟ ألمجرد مصادفة واتفاق؟ أم لأنكم انجذبتم إلى أولئك لشبه بينكم ولرابطة التجانس التي تجمعكم، إذ صادف ذلك هوى في قلوبكم فأردتم الانتقام لأنفسكم من عدوكم العلم، ذلك ما تظنونه و إلا فنور العلم لا يخفى إلا على أكمه لا يعرف القمر.
    عن هذا  الهوى المتمكن  في نفوس أكثر العامة نتج عند بعضهم الزهد في العلم وعدم الاكتراث به، وعند البعض الآخر البغض له ومحاربته والسعي في إطفاء نوره الوهاج، وذلك هو الداء الوبيل الذي أخذ مركزه في هذه النفوس، فلم يدع نور الاعتراف بفضل العلم وشرفه الذاتي ينفد إليها فيزيل ما بها من أمراض، حتى يتمكن فيها الشعور الحقيقي بوجوب خدمة العلم ومحاربة الجهل؛ فتنبعث الجوارح عاملة بمقتضى هذا الشعور الدافع.
نعم حملهم هذا الداء على الزهد في العلم والإقبال على ما سواه، فأصبحت المادة في نظرهم أعز من كل عزيز، وكانت معبودهم الذي فنوا فيه وأصبح كل شيء إزاءها صغيرا مهما عظمت قيمته وعزت منزلته، فإذا دعاهم داعي العلم واستدعى أكفهم لخدمة مشروع في هذا السبيل، إثاقلوا إلى الأرض وتعللوا بأوهى الأسباب ومدوا إليه أكفا شلاء.
    لو كان هؤلاء يملكون نصيبا من الإدراك، ولو كانت لهم قلوب يفقهون بها لسلكوا إلى معشوقهم هذا سبيله المعبّد سبيل العلم، ولدخلوا بيوته من أبوابها أبواب المعارف فينالوا منها ما ناله من سلك هذا الطريق من النتائج الباهرة، ولكنهم –لقصور نظرهم- يتسلقون إلى المادة جبالا شاهقة ويخاطرون في تسلقها بكل مجازفة، وسرعان ما ينزلقون وكثيرا ما يسقطون فيخسرون أعمارهم الطويلة وأديانهم القيمة وأعراضهم المصونة، ولا ينالون من غايتهم مأربا، وقليل منهم من ينجو سالما ويرضى من الغنيمة بالإياب بعد المكابدة الشديدة، وبعد أتعاب تشق المرائر.
وإذا واتى أحدا حظه فنال شيئا من عَرَضه؛ كان ما يناله بالنسبة لما ضحى في سبيله من عمره ودينه وعرضه خسارة فادحة، ولنا في الحالة الراهنة أعظم شاهد وأكبر برهان.
    أفلا يعتبر هؤلاء بمن حولهم ممن قبضوا على ناصية المادة فانقادت لهم طائعة خاضعة، وسخروها لكل ما يبتغونه من وسائل الراحة والهناء، فهل سلكوا إليها سبيلا غير سبيل العلم، وهل كانوا يحصلون على شيء مما حصلوا لو وقفوا موقفنا فيه، وقبضوا أيديهم عن المساعدة والتنشيط كما قبضناها؟ فما لكم عن التذكرة معرضين؟
    على أن هؤلاء لا يقصدون بتفانيهم في خدمة العلم وتضحيتهم بكل شيء في سبيله إلا متاع الحياة الفانية، ذلك العرض الزائل الذي ينتهي بانتهاء حياتهم وليس لهم من وراء ذلك أي غرض، فكيف تزهدون أنتم فيه وأنتم ترجون فوق ذلك من الله ما لا يرجون؟ إذا لم تخدموا العلم بدافع الدين الجامع بين السعادتين الذي يفرض عليكم طلبه وخدمته بكل قوة تستطيعونها؛ فلا أقل من تخدموه بباعث المادة التي تهيمون وراءها وتضحون لأجلها دينكم العزيز فما دونه، وقد أرتكم البراهين المحسوسة أنه بغير العلم لا ترجى حياة، وأن من فاته حظه منه كان في هذه الحياة فريسة تنهشه الغربان، وغبارا تثيره سنابك الفرسان.
    لم تكف كل هذه العبر لإيقاظ الهمم، ولم تغن الآيات والنذر التي تباكرنا وتراوحنا، فبقيت الهمم خامدة والمشاعر مخدرة فإذا دعوا إلى العلم ﴿..قَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِي ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنم بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: 5].
    وقد يخف الأمر ويهون لو وقف عند هذا الحد ولكن هنالك هدامين لا يطيب لأحدهم عيش إذا رأى صروح العلم تشاد حتى يهرول إليها بمعوله، فيأتي عليها بالتخريب إلى آخر لبنة انتقاما لشخصه، لأنه لم يشارك في الأمر وهو ذو نفوذ وجاه عريض، أو زوحم فيه وهو ممن لا يقبل شريكا يشاركه في عمل؛ إذ أنه الفقيه العلامة والبحر الفهامة والمصلح الكبير، أو لأنه لم يحصل على مآربه التي جعل هذا المشروع جسرا يمر عليه والتي لأجلها صلى وصام وهرول وسعى.
هنالك قطاع طرق دأبهم الوقوف في سبيل انتشار العلم وعرقلة كل حركة، إنه كلما لاحت لهم شهوة فهم لا يقصرون في انتهاز كل فرصة أتيحت لهم لتنفيذ غرضهم السافل، ولا يعفون في القضاء على العلم إذا اعترض سبيل مصلحتهم الشخصية، وهنالك شياطين يوسوسون في صدور البله والمغفلين ويصدونهم عن السبيل، يلقون عليهم محاضرات يضمنونها كل حيلة شيطانية يشوهون العلم في نظرهم ويصورونه في أبشع الصور وأخبثها، وينفرونهم من كل من ينتمي إليه أو يتصل به، وينعتونهم بأخس الأوصاف وأقبحها، إذا تصدوا للعلم فلا يزالون معهم حتى يصرفوا وجهتهم نحو المادة ويحملوهم على خدمتها والتفاني فيها، وهم يجهلون كل شيء ولم يشموا للعلم رائحة؛ فتنطلي عليهم حيل هؤلاء الشياطين وينخدعون، وما أسرع انخداع الأبله الغر للخب الخادع.
    هنالك أشحاء لئام لا يرضيهم أن يروا مثل هذه المشاريع قائمة، لأنها تكلفهم تكاليف لا تتفق وشحهم المطاع، يرون من التبذير الفاحش أن تصرف أموال فيما لا يعوضهم في العاجل تعويضات مادية مضاعفة، تقذى هذه المشاريع عيونهم ولو كانوا لا يمدونها بشيء من مكتنـزاتهم، فأهنأ يوم عندهم يوم تفقد فيه حتى لا يحرجوا بما يكرهون هنالك إلخ.
    أولئك هم أعداء العلم وباغضوه الحقيقيون، ولو تظاهروا بمسالمته ومسايرة من يدعو إليه.
    فهل يظن عاقل أن تحيا الحياة السعيدة أمة تتخبط في ظلام الجهل الدامس وتنزل عليها النكبات والويلات؟ فهل ويأتيها الموت من كل مكان؟ وهل تبقى على ما هي عليه من الركود والسكون وترضى بحيلتها التعسة؛ في عصر تحرك فيه الحجر ونطق الجماد وتوفرت فيه أسباب التقدم إلى أقصى حد؟ لولا وجود هؤلاء المناهضين للعلم المحاربين له في كل واد والقاعدين في كل مرصد.
    متى تتنبه الأمة لهؤلاء المغرضين الانتفاعيين أعداء العلم وأعداء الدين، فتدرك ما ينطوون عليه من الفساد فتقف لهم بالمرصاد وتقصيهم من حولها؟ وأنى لضعيف النفس أن يقاوم تيار هؤلاء المنبثين في كل مكان؟ وكم يلاقي المصلح من عناء ويقاسي من شدة في تنبيه هذه الأمة من رقادها؛ ولا يكون حظه في الغالب –رغم كل مجهود- سوى الإخفاق أنه في أمته –تداركها الله- غريب كصالح في ثمود.
ليت شعري والليل يعقبه الفجر        متى يعقب البـكاء ابتـسام

 
< السابق   التالى >