|
هذه مقدمة الحرب تفتك بنا، فهل آن لنا أن نزدجر ونرعوي ؟ |
|
|
|
الكاتب/ الشيخ عدون رحمه الله
|
|
20/09/2008 |
|
مقال لفضيلة الشيخ عدون سعيد شريفي – رحمه الله - نشره بجريدة النور للشيخ إبراهيم أبي اليقظان – رحمه الله -، السنة الأولى عدد 26، وذلك بتاريخ: الثلاثاء 14 ذي القعدة 1350هـ / 22 مارس 1932م ... يقول الشيخ عدون رحمه الله:
من عادتنا أن لا نصدق إلا بمحسوس يغمرنا، ولا نؤمن إلا بشيء لمسناه بأيدينا لمسا، فإذا أمرنا الشارع أو نهانا عن شيء وتوهمنا المصلحة في المخالفة، أو دعانا إليها داعي الهوى ارتكبناها؛ غير آبهين بوخامة العاقبة ولا مبالين بما يترتب على ذلك من عقاب عاجل أو آجل، ما لم يحل علينا غضب الله أو تنزل علينا عاقبته...
هذه جريمة الربا لم يشدد الله النكير على جريمة مثل ما شدده عليها، ولم يصب جام غضبه على مجرم مثل ما صبه على متعاطي الربا، وحسبك من ذلك قوله جل جلاله: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَآ إِن كُنتُمْ مُّومِنِينَ(278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَاذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ(279)﴾، دع ما ورد على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من الأحاديث التي تقشعر الأبدان مما جاء فيها من تهديد ووعيد.
نتلو هذه الآية آناء الليل وأطراف النهار، ونسرد أحاديث كثيرة في هذا الشأن فنستصغر أمرها ونستهين بها فنقترف الجريمة؛ غير قارئين حسابا لما يترتب عليها من سخط عام ونقمة شاملة، ولكن الله الذي يمهل ولا يهمل، الذي لا يخلف الميعاد قد أمهل هؤلاء واستدرجهم من حيث لا يعلمون، وفتح عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذهم بغتة فإذا هم مبلسون.
إن جريمة يشدد الله هذا التشديد على مرتكبيها ثم تصبح مباحة الإباحة المطلقة لدى الأمم ولدى الأفراد، بل تصبح عندهم في حكم الضرورات التي لا محيد عنها؛ لجدير أن يصب الله على متعاطيها سوط عذابه، فينال ما يستحق من صارم العقاب.
تمرّ علينا العبر تلو العبر، وتنزل علينا النكبات تترى، ونرى بأعيننا كيف تفتك هذه الآفة المبيدة بالأمم والأفراد، وكيف تهلك الحرث والنسل فلا نعتبر ولا ندّكر ولا نتعظ ولا نزدجر، ليست الحرب الكبرى -التي لم يرو لنا التاريخ أعظم منها هولا وأفظع فتكا- إلا حريقا عاما شب في أرجاء المعمورة؛ عود ثقابه آفة الربا.
ولولا ضيق المقام لبسطنا للقارئ هذه الحقيقة بسطا وافيا حتى يلمسها بيده، وليست ذيول هذه الحرب -التي تزداد كل يوم تعقدا وإشكالا حتى أصبح اليوم خطر هولها قاب قوسين أو أدنى، وأصبح من أجلها بركان السياسة العامة يهدد العالم بالانفجار- إلا نتيجة قاطعة مقدمتها هذه الجريمة المهلكة.
وليس خطر البلاشفة الذين يسعون جهدهم بمذهبهم الهدام لتقويض دعائم العمران وإبطال الشرائع والأديان -والذين يزداد شرهم تفاقما ولهيب خطرهم اندلاعا في أمثال هذه الأزمات- إلا وليد هذا الوباء الفتاك.
تلك إحدى معجزات القرآن الذي لا يزال إعجازه يتجدد بتجدد الأزمان، أو ليست هذه الفظائع المتوالية وهذه الأزمات الحرجة إلا من جملة الحرب التي أعلنها الله منذ أربعة عشر قرنا على متعاطي الربا؟ بلى وأيم الحق ﴿سَنُرِيهِمُ ءَايَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىا يَتَبَيَّنَ لَهُمُ أَنـَّهُ الْحَقُّ ...﴾ [فصلت: 53]، فلندّكر بأيام الله هذه ولنعتبر بهذه الكليات العامة، ثم ندع تيارها الجارف يندفع حيث قدر الله له الاندفاع، فليس لنا هنا أخذ ولا رد، وإن من حاول إبلاغ كلامه لهؤلاء المتكالبين كمن وقف على بحر وقت هيجانه وازدهار عبابه وتلاطم أمواجه؛ فجعل يأمره بالهدوء والسكون.
ولنلتفت إلى آيات الله في أنفسنا فهي التي تهمنا الآن وتعنينا قبل كل شيء، لنلتفت إلى تجارنا الذين فشت فيهم هذه الفاحشة وظهرت في أجلى مظاهرها فصدق فيهم وعيد الله الشديد، استعرض أمامك الذين يتعاطون الربا منهم وهم الأغلبية الساحقة.
فلا ترى منهم في حربة أحدا سوى أسير ومقتول ومنهزم
حاربهم الله بآفات متنوعة فكان حرب الله شديدا ونقمته أليمة، حاربهم بالمشاكل العامة التي تتوقف بسببها الحركة الاقتصادية، فكان الكساد في التجارة عاما، وبسقوط قيمة السلع فكانت الخسائر فادحة، وبتوقف مدينيهم عن تسديد ما عليهم من الديون المتراكمة، فذهبت أموالهم ضحية الطمع وسوء التصرف، وبقيام الغرماء عليهم ومضايقتهم في الاقتضاء، وبتفليسهم وحجز ممتلكاتهم وبيعها، وبالضرائب الفادحة التي تستخلصها منهم السلطة بدون رحمة ولا شفقة، وبالمصاريف الباهضة التي تقتضيها الحالة الراهنة وتستدعيها رغائبهم التي لا تتناهى، وقد حاربهم الله بكل هذه الجنود التي لم تخطر ببال لما كانوا سادرين في غلوائهم ممعنين في موبقاتهم، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبـِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: 31]، فترى القوم إثر هذه المعركة صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية، وما ظنك بمن حارب الله العزيز المقتدر القاهر فوق عباده، أترى الله عابثا في أحكامه أو لا عبا في أمره أو عاجزا عن تنفيذ ما كتبه على نفسه؟ كلا، فلا معقب لحكمه ولا راد لقضائه وكفى بالحالة عبرة وذكرى.
ولا يغرن القليلين -الذين ارتطموا في هذه الموبقة ولم ينلهم حريقها- إمهال الله إياهم ومسالمتهم فيحسبوا أن الله غافل عما يعملون، فيامنوا مكر الله اعتمادا على تمكنهم في هذه المهنة ورسوخ قدمهم فيها وعلى قوتهم المالية، فإن كثيرا ممن كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالا؛ وممن لم يكن يخطر ببالهم أو ببال أحد أن يتزلزل ركنهم وقد طحنتهم رحى هذه الحرب، فكانوا في نظر الجاهل محل الدهشة والاستغراب، ومن تغذى بأخيك تعشى بك حتما.
من حلقت لحية جار له فليسكب الماء على لحيته
هذا والذين وقفوا عند حدود الله وأبت نفوسهم الدنو إلى محارمه هم في نجوة من هذه العواقب الوخيمة، قد سلموا من كل آفة تصيبهم وآمنوا كل نكبة تحل بمالهم، رغم اشتداد هذه الأزمة ووقوف كل حركة.
|