|
المطمح الأسمى ونتيجة إقبال الناّس عليه ! |
|
|
|
الكاتب/ الشيخ عدون رحمه الله
|
|
17/09/2008 |
|
مقال لفضيلة الشيخ عدون سعيد شريفي –رحمه الله- نشره بجريدة النور للشيخ إبراهيم أبي اليقظان –رحمه الله-، العدد العاشر السنة الأولى، وذلك بتاريخ: الثلاثاء 06رجب1350هـ / 17نوفمبر1931م ... يقول الشيخ عدون رحمه الله:
تكلمنا في العدد الماضي على ما يلحق الإنسان في حياته من شقاء وآلام وما يصيب فيها من شرور وآثام، إذا اتخذ شهوات الدنيا الفانية ومتاعها الحقيرة غرضا يرمي إليه وغاية يكد ويكدح للوصول إليها، معرضا عن مرضاة الله تعالى التي هي المطمح الأسمى لكل عاقل يلتمس لنفسه السعادة والهناء...
وسنتكلم اليوم على ما ينال من سعادة النفس وهنائها في هذه الحياة، وما يفوز به من الدرجات العلى في الحياة الخالدة إذا اتخذ مرضاة الله تعالى مطمحه الأسمى وغايته القصوى.
تعترض الإنسان في حياته عوامل فتاكة وتكتنفه أخطار مهددة، فهو في جميع أعماله عرضة للنكبات وهدف للمصائب والويلات، فحوادث الأيام لا ترتفع ومددها لا ينقطع ما دام فيه نَفَس يتردد، ولا يقيه شر هذه الأخطار ويحفظه من غائلتها ويهين عليه ألم وقعها -حتى لا يحس لها أثر فتمر عليه بردا وسلاما- إلا إيمان بربه يمتلك مشاعره، ويعتقد به أنه تعالى هو مصدر كل حادث يصيبه ومقدر كل ألم يلحقه، وأنه سيوفيه –إن صبر- أجره بغير حساب، فإذا أخذت هذه المعرفة مكانها من نفسه وامتزجت، حملته على طلب مرضاة الله بالصبر فيقابل جميع ما يصيبه بالرضى والقبول، ويحمله مغتبطا مسرورا فيحس إذ ذاك في نفسه ببرد الهناء والطمأنينة، ويجد لذلك لذة تفوق اللذات، وأي لذة أعظم من استشعار الإنسان مرضاة ربه عنه وعطفه عليه، وهل بعد هذا يتجهم لمصيبة تنـزل عليه، أو يتنكر لنكبة تحل بماله أو ببدنه أو بعرضه المصون؟
فمن أي طريق يتطرق إليه الشقاء أو يهتدي إليه؟ ومن أي باب تدخل عليه الأكدار أو تتسرب إليه التعاسة؟ وقد سدها رضاه بقضاء الله واستسلامه لأمره ورجائه عظيم أجره، تلك لعمر الحق هي السعادة التي هام الناس على وجوههم في التماسها فأضنوا أجسامهم، وأنضوا رواحلهم لكنهم ضلوا عن سبيلها فلم يظفروا بطائل إلا من صدق إيمانه ووفي لدينه.
إن من يطمح إلى هذا المطمح الأعلى يستهين بكل عارض يعترض سبيله ويستسهل كل صعب يحول دون غايته، ويؤمن إيمانا صادقا بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الاَعْرَابِ أَنْ يَّتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَالِكَ بِأَنـَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً اِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ اِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(120) وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا اِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(121)﴾ [التوبة]، يندفع بمقتضى هذا الإيمان وراء اقتحام المصاعب وخوض المهالك واكتساب المعالي، ورائده مطمحه الأسمى يستحثه على الإقدام إن اعتراه تثاقل، ويؤمنه إن تطرق إليه خوف، ويشجعه إن حام حول ساحته جبن، ويطلق يديه إن حاول الشح إمساكها، ويربط على قلبه ويذهب عنه رجس الشيطان ويثبت له الأقدام.
فإن كان متعلما انبعث في طريقه ولا يلوي على شيء، وذلل بعزمه وإرادته كل عقبة، واشتغل بمهنته بجد وصدق وإخلاص، يطلب العلم لذاته لأنه هو الوسيلة الوحيدة التي تنتهي به إلى مطمحه، فلا يزال مجدا في طلبه حتى يحرز على الشهادة التي يسعى لها ... هي شهادة ضميره الذي لا يحابي، فيشهد له قائلا: "إنك قد أديت واجبك وأرضيت ربك".
وإن كان عالما أصبح علمه مرشدا له وهاديا إلى الصراط السوي الذي يفضي به إلى غايته، واقيا له عن الانحراف والزيغ والتنكب عن جادته، حاميا له عن تعاطي كل شيء يشينه أو يلصق به سبة أو عارا، فإن انتصب للتعليم والإرشاد انقادت له النفوس الجامحة واهتدت بهديه العقول الضالة، وأثارت دعوته الهمم الفاترة وشحذت العزائم الكليلة.
وإن طرق أبواب الإصلاح العام انفتحت له، ودخلها بهمة لا تعرف الملل وعزيمة لا يعتريها الكلل ولا الفشل، وإرادة لا ترتد أمام النكبات، فيمضي في سبيله قُدُمًا عاملا مجدا موطّنا نفسه على ما يلاقي من أتعاب تنهك القوى، وجهود تنوء بالعصبة أولي القوة، مستعذبا طعم الآلام والأكدار، مستهينا بما يناله من قدح القادحين وسخرية الساخرين، وهكذا شأنه حتى ينال بغيته أو يموت فيعذر.
وإن تصدى لمزاولة الحرف المادية سلك إليها سبلا مشروعة مستضيئا بنور الشريعة الغراء، فكان مثالا للثقة والنزاهة والأمانة والصدق، وكل فضيلة تقوم عليه حرفته، فتدر عليه جميع الخيرات وتتدفق عليه أغرر البركات، ورضوان من الله أكبر، وهذا كل باب طرقه وكل سبيل سلكه، فالنجاح فيه حليفه والنصر قرينه وأليفه ﴿وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
فليست له غاية يعمل لها ولا رغبة يسعى لها سوى أن يرضي ربه، وهذه الغاية تحصل له بمجرد العمل والسعي لا بشرط النجاح، فإن نجح ظفر بالحسنيين: مبتغاه العاجل ورضى ربه عنه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وإن لم يُتح له النجاح، فرضى ربه حاصل لا محالة، فيحتسب أجر سعيه، ويستأنف العمل بكل نشاط، وإن قدر له الموت في هذا السبيل –وتلك أمنيته- اغتبط بمصيره وقال –بعد أن يقال له أدخل الجنة-: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبـِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ(27)﴾ [ياسين].
ولو أن العاملين -من علماء وزعماء ومصلحين- توجهت نحو هذا المطمح الأسمى أنظارهم، وسلمت من الأغراض الشخصية الدنيئة ضمائرهم، وترفعوا عن التماس متاع الحياة ومطالبهم الحقيرة، لاتّحدت كلمتهم وتآزرت قواهم وتناصرت أعمالهم، فرفعوا أمتهم في أمد قصير إلى المحل اللائق بكرامتها وعزتها، ولكنهم أعرضوا عن ذلك المطمح الأسمى فوقع بينهم ما تقاسي الأمة بسببه الأمرَّيْن؛ من تحاسد وتباغض وشقاق ونزاع، فليت شعري هل كان يحدث بينهم شيء من ذلك لو طلبوا بعملهم مرضاة الله؟ أم كيف يتصور ويعقل أن يتزاحموا على هذه الغاية السامية أو يتحاسدوا عليها؟ أكان رضى الله مقصورا على أشخاص دون آخرين؟ أم تضيق عنهم رحمة الله وقد وسعت كل شيء؟
التمسوا أيها الناس رضى الله في جميع ما تعملونه إن أردتم سعادة الحياتين، واصرفوا أنظاركم عن متاع الحياة الفانية، فهممكم أشرف وأعز من أن تتركوها تتعلق بأمر حقير سريع الفناء والزوال، وفي وسعكم أن تحملوها على التعلق بأشرف غاية تتفق مع شرفها وكرامتها، فتحظوا بالسعادتين وتنالوا الحسنيين!!
القرارة سعيد
|